ولما أحزن يروح الحزن من قلبي في غمضة عين.. ياريت

الحزن من أصدق المشاعر الإنسانية على الإطلاق؛ لأن ليس به أي تزييف أو مجاملة.. يأتي فيحل عليك كضيف ثقيل يأكل داخلك بشراهة ونهم.. كأنه يتلذذ حين ينخر روحك ويؤلم قلبك وينهك جسدك..

لا يرحم ولا يبالي بأحد أيًا كان.. ولا ينسحب إلا بعد أن يتشبع ويتمكن منك ويترك آثاره التي لا تزول منك أبدًا.. هو لا يختفي تمامًا أو يرحل، هو فقط  يتقهقر ويختبئ في ركن ما بداخلك، في انتظار الفرصة المناسبة ليعاود الظهور بشكل أكثر شراسة حاملا معه المزيد منه.

زارني الأسبوع الماضي بعد أن كنت صددت هجومه عدة مرات لكنه تغلب تلك المرة وخرج من مخبأه شاهرًا سيفه الحاد كالمعتاد.. جعلني استرجع كل آثاره القديمة التي حُفرت بداخلي.. لم استوعب ما يحدث ولكنني وجدت نفسي فجأة أصطف بسيارتي في وسط كوبري الجامعة في عز الظهر وأبكي بكاء النحيب..

 وحدي والدموع وصرخات التآكل التي يحدثها بي.. وبما أنه جاء فلابد أن تصاحبه كل المشاعر التي تنبثق منه؛ مشاعر كالخوف والوجع والوحدة وما إلى ذلك.. لم أقوى وقتها حتى أن أهدئ من روع نفسي أو استنشق الهواء لفترة طويلة، لم أعي كم مر من الوقت حقًا وأنا على هذا الحال.. لكنني شعرت وقتها أن كل شيء حولي توقف كأنه صمت احترامًا وإجلالا له ولما يفعله ببني البشر، ليعلن لنا عن حق أننا كائنات هشة جدًا مهما بدينا في قمة قوتنا ومهما حاولنا الظهور بمظهر هادئ لا ينم عن الحرب التي تُقام منه علينا بداخلنا في أحيان كثيرة.

قال نزار قباني “إن الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان”.. هل كان يقصد بذلك أن من لم يختبر قوة ذلك الجبار لن يعرف أبدًا قيمة الإنسانية على حقيقتها لأنه بالتالي لن يقدر قيمة الحياة وطعم المشاعر الطيبة كالحب والسعادة عندما تأتي! أو يقصد أننا به ندرك مدى الضعف الإنساني! أو أنه يجعل الإنسان يشعر بأخيه الإنسان وبمدى حاجته إلى عونه عندما يحزن هو الآخر!..

ربما كل ذلك، وربما أيضًا لأن الحزن هو المولد الحقيقي لأفعالنا بعد ذلك؛ أي أنه لم يُخلق عبثا فهو يأتي غالبًا ليوصل رسالة معينة، رسالة فحواها أن الدنيا لا تستحق كل تلك الصراعات التي نراها حولنا، أو كأنه يقول أنا هنا لأنك في احتياج لشيء آخر مثلا مشاعر أخرى أو فعل معين من أحد أو فعل لابد أن تقوم به بنفسك لتحرر منه، أو لأنك تفتقد أحد أو شيء أو حتى نفسك، أحيانًا قد ينسحب من طبطبة حقيقة على روحك أو حضن يحتويه، وأحيانًا قد يغضب وينفجر لأسباب قد تبدو غير ذات أهمية لكنها تكون بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير بمعنى أن السبب الظاهري جاء بعد تراكمات لأوجاع ثقال ظل الإنسان يداريها ويتعامل معها وكأنها لم تكن..

تعددت الأسباب والحزن واحد ولكن بصور وأشكال مختلفة، وبالطبع لا يوجد أحد على وجه الأرض لم يتذوقه أو يعيش تفاصيله بدرجات متفاوتة وفي مواقف متشابهة أو مختلفة.

كان الرسول –عليه الصلاة والسلام- يقول كل يوم في الصباح والمساء “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن..” لأنه كان يدرك بالطبع مدى قسوته وضراوته إذا جاء.. ودائمًا في القرآن آيات كثيرة يطمئنا بها الله بأنه معنا ويطلب مننا الإيمان بأننا في معيته وفي خيره سبحانه وتعالى مهما كان الوضع حتى لا نتألم ولا نحزن؛ “ولا تَهنوا ولا تحزنوا وأنتُمُ الأعلونَ إن كنتم مؤمنينَ”.. وفي آيات كثيرة للرسل والأتقياء يطلب منهم سبحانه وتعالى ألا يحزنوا وهو عالم بحالهم ويقف معهم؛ “ولا يحْزُنْكَ قولُهُم إنَّ العزّةَ للهِ جميعًا”.. حتى إن جزاء الصالحين في الجنة إنهم لن يحزنوا؛ “ادخُلوا الجنّةَ لا خوفٌ عليكُم ولا أنتمْ تحزنون”.

في أغنية “في غمضة عين” لأنغام -كلمات:جمال بخيت-  قالت “ولما أحزن يروح الحزن من قلبي في غمضة عين..” ، تمنت أن الحزن عندما يجيء -لأنه حتمًا سيجيء وفي أحيان كثيرة دون إرادة منا- المهم أن يذهب بعد مجيئه في غمضة عين ولا يطيل البقاء.. وأنا بأمن على أمنيتها بأنه ياريت.

شيماء يحيى

شيماء يحيى

بنت مصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!