وجوه مزيفة و أرواح من جليد


هناك العديد ممن يملأون مساحات شاسعة من حياتنا ويجيدون التمثيل وتبديل الأقنعة، نراهم من بعيد وجوه براقة لامعة.

ننبهر بملامحهم فننجذب لهم….نقترب ببطء لنكتشف الوهم وبأننا لم نعرفهم يومًا

مزيفون…..يجيدون تمثيل الأدوار الحقيقية، نحاول بكل الطرق تجاهل تلك الأحاسيس الزائفة التي نستقبلها منهم لأننا قد تربطنا بهم علاقات ليس من السهل تجاهلها أو ربما هي مفروضة علينا بحكم الدم أو التقاليد أو حتى مجرد واجبات اجتماعية معينة.

ولكن هم أبعد ما يكون عنا وعن أرواحنا..

كاذبون…. يتلونون بألف لون ويجيدون تبديل الأقنعة.

يستمتعون بتلك الأكاذيب التي ينشرونها من حولهم ويتجاهلون كوننا ندرك كذبهم.

تفشل كل محاولتنا لتجاوز أكاذيبهم، فمن الصعب أن تقترب من سلامك النفسي في وجودهم وتصبح الخيارات المتاحة لك محدودة.

وتحاول من جديد أن تتجاوز كل ما مضى على أمل يكون للأيام دور تلعبه معهم وتنتشلهم من تلك الأكاذيب.

ولكن للأسف كلما غفرت……كلما اعتقدوا أنك ضعيف ولا تقوى على المواجهة والابتعاد ويتمادون في أخطائهم ويتجاهلون تحذيراتك المباشرة أو المستترة.

فكل منهم يتصرف تجاهك كما يناسبه هو وليس كما يناسبك أو كما تريد أنت وتحتاج، والمطلوب منك قبول ذلك دون اعتراض أو رفض…..بل بالعكس يتوجب عليك تقديم الشكر والامتنان لهم.

تمتلئ رحلتنا بهؤلاء وبأقنعتهم وزيفهم ورغم إدراكنا لكل هذا الزيف، لا نملك ما نفعله اتجاههم سوى الرحيل في صمت والخروج من دوائرهم وإغلاق دوائرنا دونهم.

 نحن لا نملك أقنعه لنقترب منهم ولا نستطيع ممارسة الزيف معهم،  فقلوبنا لم تعتاد ذلك وأرواحنا ترهقها المشاعر الكاذبة والكلمات الجوفاء.

لم نستسلم بسهولة ولم ننسحب لمجرد الانسحاب..

فقد أرهقتنا الخيبات واحدة تلو الأخرى…. وفى كل مرة نحاول أن نتمسك بخيط واهي يربط ما بيننا وبينهم، حتى انقطع الخيط وماتت كل المبررات التي حاولنا أن نخلقها لهم……انتهت الأعذار التي اخترعناها من أجل أن نراهم بصورة لا تجعلنا نكرههم.

حتى من اعتقدنا بأنهم هدايا القدر لنا، مع الوقت نكتشف بأنهم خيبات أخرى تضاف إلى فشلنا، ذاك الفشل الذى يلاحقنا…..فهو ربما يكون قدر حيث نلتقى بالخيبات في كل مرة نعتقد بأننا وصلنا لميناء سلام.

حيث الهدوء والأمان….حيث لا خذلان.

فما أصعب الخذلان حين يكون ممن هم لنا الأمان.

 من الصعب النظر لهم بعد أن تلاشت الوعود وتبعثرت الكلمات في صحراء العمر.

ربما زاد الخذلان الفجوة بيننا وبينهم، تلك الفجوة التي حاولنا كثيرًا تجاهلها أو على الأقل البقاء عليها كما هي دون أن تتسع، لنسقط فيها وتسقط أحلامنا وأمانينا وثقتنا التي كنا نحملها لهم.

يسكن الخذلان قلوبنا حين نكتشف إصرار القدر على معاندتنا وتمزيق كل الخيوط التي نحاول أن نتمسك بها لتربطنا بهم.

ولكن مع الوقت نصبح غرباء عنهم وهم الأقرب.

لا نعرفهم ولا يعرفوننا.

نجهلهم ويجهلون من نكون.

نترك أيديهم لنرحل بعيدًا في غربة تنزف فيها أرواحنا بصمت، تلك الأرواح التي أجبرتها الأيام على رسم الابتسامات الزائفة لنواجه العالم.

نرتدي قناع القوة حتى لا تهزمنا الأيام وتتركنا جثث هامدة على رصيفها.

نتركهم لنتوحد مع أنفسنا ونخلق لنا عالم نرسم ألوانه وحدوده.

عالم نسكن إلى جدرانه ونترك لهم عالمًا بكل ما فيه من زيف وخداع وقسوة، فليس لنا بينهم مكان.

فقد اخترنا سلامنا النفسي وابتعدنا عن الصراعات الكاذبة والمهاترات التي بلا معنى، فسلامًا على أرواح تتألم في صمت…..  .فالألم لها قدر ولا مفر من قدر. 

مها العباسي

مها العباسي

مها العباسي كاتبه حرة لها كتاب مطبوع سنة2010 والاخر سنة 2013 كتبت فى عدد من المجلات الاليكترونية والمواقع الصحفية يتضمن عملها الاعداد الاذاعي درست في كلية التجارة جامعة الزقازيق

One thought on “وجوه مزيفة و أرواح من جليد

  • Avatar
    2020-06-30 at 7:12 م
    Permalink

    يالها من خيبات متكرره 😓😓😓

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!