هل أبدأ من جديد؟!

قصة من المجموعة القصصية “مدينة الملاهي” الصادرة عن دار العين للنشر والتوزيع

إذًا أنت لست بصانع السكر ولا أنا الحلوى!

رُبما الشيء الوحيد الذي نتفق عليه، هو أنني كلما احتجت للحديث عنك لا أجد إلا ضمير الغائب، وما قد نختلف فيه كثير.. دعنا نتفق من جديد لعلنا نلتقي ولو وهمًا.. في تلك الليلة بالتحديد، ساعة السحر، السماء ملبدة عن آخرها بالغيوم، اللهم إلا نجمة واحدة تتأرجح ما بين اللونين الأزرق والأخضر، وربما لو سألتني عن اللون الذي سأفضله بالتأكيد سأقول لك.. الأزرق، قد تحب أنت الأخضر، جدتي أيضًا كانت تفضله، دائمًا ما كانت تقول لي أنه لون الجنة، هل أفضله لأنها تحبه أم لأنك كنت ستختاره؟ أتعرف يحلو لي أن أعاقبكما سويًا، هي.. لـ رحيلها، وأنت.. لغيابك، هكذا اختلفنا، وأنا كنت أقصد أن نتفق.

دعنا نتفق من جديد

لربما اقتربنا بمقدار إغماضة عين ناعسة، في تلك الليلة العليلة، بالتحديد ساعة السحر، السماء ملبدة بالغيوم، اللهم إلا ثلاث نجمات لا أعرف لهم لونًا، قد أترك لك الخيار، وربما لجدتي، وقد أغير رأيي في اللحظة الأخيرة وأختار.. لا ليس الأزرق،

أو تعرف أنا اخترت الأزرق، هكذا بكل بساطة أزرق…لماذا أنت غاضب؟ هل أبدو لك مجنونة؟ هكذا اختلفنا من جديد، وأنا كان كل قصدي أن نتفق.

فقط.. امنحني فرصة أخرى، ودعنا نتفق من جديد لربما التقينا حقيقة.

السماء ملبدة بالغيوم، ترسل أشباحا رمادية اللون، وربما لو صح التعبير، فنقول: السماء تلد أجنة مشوهة غير مكتملة النضج، السماء حبلت من الأرض.. هل تدرك خطورة ذلك؟!

الأشباح تتساقط بغزارة وقبل ارتطامها بالإسفلت ترتفع للأعلى.

السماء ترسل أشباح تخيفني. الأشباح تشبه في بخارها بخار متصاعد من مشروب ساخن مع فرق، بخار المشروب يدفئ يدك المتجمدة لحظة المطر، أما الآخر فهو يبرق في عيني ليبث في نفسي الرعب. السماء لن تلد، شهورها التسع لم تنته بعد، ربما تلد في السابع، لا أعرف، المطر سينهمر، على كل سينهمر لكنه ليس الآن ربما بعد أن نتفق، أتعرف دعنا من تلك الأمور، سأخبرك بحواديت حدثت لي بالفعل (صلي على النبي) كان يا ما كان يا سعد يا إكرام جار لنا صغير السن، طويل القامة، ممتلئ الجسد، في العمارة المقابلة لنا رأيته ذات مرة يخبئ نقوده من أهله في بيت العصافير الخشب، أضحكني الأمر بشدة بالطبع كان قفصه خالياً من الطيور، أما قفصي أنا فهو دائماً ما تسكنه الحياة عصفورين لا أكثر يفقسان زغاليل صغيرة في صغرهما ألعب بهما ومن ثم أبيعهم لأشتري كتب، بالطبع حبيبي القفص سينتقل معنا إلى بيتنا الجديد، فأنا لن أتوقف عن شراء الكتب إلا لو تكفلت أنت بها، ابتسامة خبيثة مني، أنت تعرف أنني لن أتخلى عن العصافير الأم ولا حتى عن صغارها ما دمت حضرت أنت.

أهكذا اتفقنا أم اختلفنا؟

لا أعرف، دعني أصف لك عتمة الليل من حولي، عويل كلب أسود ما في شارعنا الضيق يخيفني، وصوت ارتطام – كيس زبالة – في نفس الشارع من جارة أخرى أيضاً يخيفني، اطمئن سببتها في الحال.. هل أبدو لك مضحكة؟ للتو قتلت حشرة طويلة رفيعة لا أعرف لها اسماً ولم أرها من قبل لكنها عكرت مزاجي، أنا لم أخف منها، لم أركض، لم أصرخ كباقي الفتيات، ولكنني أعدك بأنني (أرقع) بالصوت مع أول فأر يقابلني، فأنا مثلهن. هل أبدو لك مضحكة؟.

رغم مرور سنة على رحيل جدتي، مازال غيابها يؤرقني، وما دمت غائب فأنت لست بصانع السكر ولا أنا الحلوى. أنا تركت فرشتي الدافئة لأمرين الأول لبكائي والثاني لأكتب لك، اليوم لن يغمض لي جفن، أتأتي لنعدد نقاط الاختلاف والاتفاق سويًا؟ لن أعدك بقبلة كي تأتي – عنك ما جيت – لا.. لا أعتذر منك لم أقصدك أنت، أنا أكذب، لا أنا صادقة، لا أنا أكذب.. لا أنا لا أعرف، على كل سأعد من واحد إلى ثلاثة لو لم تأت أنت حر، هيا سأبدأ العد (تلااااااااااته) هل أبدو لك مضحكة؟ أخالفت توقعاتك؟ اعذرني هكذا اتفقنا وأنا كنت أقصد أن نختلف، هل نبدأ من جديد؟

السماء ملبدة عن آخرها بالغيوم كامرأة حامل انتفخ رحمها في الساعات الأخيرة، السماء يصيبها الطلق، الرحم ينقبض.. ينبسط، فيسبب – لي – لها الألم، الوجع فتصرخ بعزم قوتها، وأنا لي أجنحة كالطيور، أرفرف مع الأشباح، أهبط معها، أرتفع، أطير، النجوم تحتفي بي، أتبخر، أتوحد بالأجنة، أختفي، السحب ترقص لي، أغمض عيني، أغفو، أصحو، وأخيراً جئت، لقد تأخرت فلا تنتظرني، أنا اتلاشى تمامًا، دون حتى أن أعرف هل اتفقنا أم اختلفنا، هل أبدأ من جديد؟.

دينا يسري

دينا يسري

من مواليد الإسكندرية، حاصلة علىليسانس الحقوق. من مؤسسي صالون تاء الخجل الثقافي السكندري. بالاشتراك مع كاتبات أخريات لها كتاب بعنوان "التخلص من آدم"، دار أكتب، القاهرة، 2008 . "غزل البنات"، قصص قصيرة، دار العين، 2010 . " مدينة الملاهي" قصص قصيرة دار العين 2016 شاركت بالعديد من المقالات في المواقع الالكترونية

One thought on “هل أبدأ من جديد؟!

  • Hala
    2020-07-03 at 9:50 ص
    Permalink

    جميله اووووى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!