مِن قلب مدينة مُنهكة الروح

لم أخف يومًا مِثل خوفي هذه الأيام، أشعر بالضياع، فقدتُ لذة الحياة، أصبحتُ بائسة وشديدة البؤس، لا أعلم لما تُقدر لنا الحياة آلامًا أكبر مِن تحملنا، لِما تبعث في طريقنا تِلك المشاعر الحلوة التي تربطنا بقوة بِها ثم تتركنا وترحل بعيدة عنّا؟ لماذا نهوى مستحيلا، يتفنن في كيفية تمزيق قلوبنا بسكينٍ باردة.

ثم ماذا؟ تكسرنا الأقدار، تجعلنا مُنهزمين، مُستسلمين لأي طارق يطرق بابانا، أرواحنا متمردة، وعقولنا كذلك، وقلوبنا موجوعة، ثم لا شيء.. أقدار أُخرى تقع لنا لا نُحبها، ولا نستسيغها لكنها تقع لنا ونضيع في أرجاءها.

في تِلك الساعة تتوقف الحياة تمامًا، كُل شرايين الدم تُمزق نفسها، وتُهدر دمها أرضًا، القلب يجف يُصبح ميتًا بلا أي روح، كُل ما فيه مِن دمٍ يسيل، يَغرق المكان بالدمِ المهدور ظُلمًا، كل النظرات تُحدق نحو السماء مُتصلبة، وصرخة النهاية تأتي مُدوية، وينتهي كُل شيء. يموت الجسد، وتسبح الروح هائمة مُنهكة في أجواء تجهلها، إنها حتى لا تعرف من تكون، وإلى أين هي راحلة.

في المساء كُل الأضواء تُغلق، صرخات السُكارى تتكاثر، أنات الصابرين تخرج على استحياء، وبكاء الخائفين يجرف بكل شيء نحو الهاوية، المدينة في المساء مُظلمة وبائسة. في ظِل تِلك العتمة على أطراف المدينة كانت هناك صبية تحمل شمعة، مُحملقة في السماء، تسأل الله، وتترجاه أن يمنحها سر الحياة كي تُضيء عتمة الأرواح، وعتمة المدينة، تأتي الصاعقة فترديها قتيلة. وتبقى المدينة غارقة في تعاستها.

في الصباح كانت كُل الوجوه بلا أي ملامح، الوجوه صامتة، مُريبة، الكل ماضين في خط واحد، عائدين في خط سير آخر، لم يعد أحد يتذكر شيء غير ما يحدث في لحظته هذه، الجميع مُصابون بخلل ما، خلل مودي نحو الجنون. لم يُعد هنا بشر، رحلت كُل الأرواح، وبقيت الأجساد، بقيت كي تنتقم، كي تثبت للأرواح أنها تستطيع أن تحيا بدونها.

 عنِد الغروب سقطت كُل الأجساد ميتة.

يأتيك الحزن من بين يديك ومن خلفك

من حيث لا تدري يسقط عليك

من النوافذ والأبواب يُقذف إليك

من حيث لا تدري

في أي وقت وأي مكان

تستيقظ صباحًا وحتى تنام

والحزن ينصبُّ على قلبك صبًّا

لا تستفيق

ولا القلب يفيق من تلك اللكمات

الحزن يعتصرك

والأحداث المؤسفة تنهال عليك

والكآبة تنبعث حتى من ذرات الهواء الذي تستنشقه

أو تزفره..

الدموع تنهال، والعُبوس يعلو سِمات الوجه

ما هذه الأيام العصيبة، ومن فتح بوابة الجحيم؟

نبكي على كل شيء

كل شيء أصبح جالبًا للتعاسة، والألم.

سمية حسين

سمية حسين

بكالوريوس علوم إدارية كُلية الاقتصاد والإدارة جامعة الملك عبدالعزيز، مدونة وكاتبة ومحررة في عدد مِن المواقع والصحف والمجلات، ومعدة برنامج سابقًا. الصحافة شغف، والكتابة مُتنفس، والقراءة هي الأوكسجين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!