من باب المسرح لباب الملهى

بقلم: دعاء فتوح

“بيشخلل قلبي دلع خلخلها الجاي ينقر فوق عتبتنا/ وأنا واد مفعوص/ يتمسح شابك قلبه في ديل جلبتها/ وبمد أيديا وأطلع حلمي الساكن صوت ضحكتها/ فيشد الخجل أبو صوت مبحوح”

من ذاكرة طفولتي كتبت تلك الأبيات في ديواني الأول*(1) كناتج طبيعي لانبهاري بتلك الغجرية الجميلة، التي كانت توشوش الودع وتقرأ الطالع وتغني وترقص في أفراح القرية، كانت بيضاء بضة تلبس ملابس ملفتة، وتستحلب سيجارتها على مهل، تحكي ليّ الحكايات، التي امتدت على صفحة وجهها كأخاديد حفرتها التجارب على مر الأيام وتعاقبها، ولا أعرف هل تلك الصور الذهنية والحكايات المترسبة في الذاكرة ما عشته بالفعل في طفولتي، أم هي صور ملتبسة بين ما رأيته على شاشات التلفزيون، وما عشته مع تلك الغجرية الجميلة.

في المساء تشعل “السبرتاية” وتجهز قهوة زائدة السكر، تحلي يومي الممتلئ بعلب الصفيح وأصوات البط والكتاكيت الصغيرة التي كانت تربيها الجدة فوق سطح دارنا المسقوف بخشب عريض، وحيطان طينية جميلة، أشرب على مهل وهي تبدأ في حكي رتيب…

– أنا بيضا وشعري أسود ليل عشان مخلطة، ستي الله يرحمها كات سمرا بعنين عسلي جميلة*(2)، كانت ترقص بالفطرة في الشارع، كان أهلها رحل بيتنقلوا من أرض لأرض، هي ماكتش تعرف تعزف زيي على العود، لكنها كانت أجمل مني بكتير، كنت أشوفها وهي بنت خمسين سنة بترقص ولا كأنها بنت عشرين، بتضحك وتتمايل وأنا ورثت عنها الخفة والدلع، أبويا زى كل رجالة الغجر، مالوش في الشغل، كان يقعد في الخيمة وأنا وجدتي نطلع على مصر نرقص في المولد بالليل، وطول النهار نقرا الودع لكل من عاز…

– في الأول مكنتش أعرف السما م العما، لكن في مصر ربنا عطرني في مدرسة بديعة مصابني الله يرحمها، كانت فتحة خير عليا وعلى كل ست بتعرف ترقص بجد، هي اللي خرجت رقص الغوازي*(3) من الشارع وخلطته برقص العوالم*(4) وخلته علامة مميزة للمرسح والسيما، خدمت الرقص وخلته فن راقي فخرجت جيل كامل من الراقصات اللي مزجوا الرقص اللي كان قدماء المصريين بيرقصوه في المعابد القديمة كعبادة تدل ع الخصوبة بهز وسطهم من البطن والسرة، ورقص الغجر اللي بيميل للاستعراض واللف بتمايل ودلع، فخرج جيل مميز من الراقصات المحترفات أمثال تحية كاريوكا، وسامية جمال، ونعيمة عاكف اللي توجوها سنة 58 كأفضل راقصة في العالم في مهرجان الشباب العالمي بروسيا، وغيرهم من الرقصات الحلوين اللي ميتنسوش، اللي كان الرقص عندهم مزج جميل بين الاستعراض والتناغم الحركي في جسمهم كله من أول وشهم اللي كانت بترقص ملامحة لحد صباع رجليهم الصغير.

–  وطبعا مع أواخر السبعينيات وسياسية الانفتاح أتحولت كل الفنون لتجارة وابتذال، وزى ما أتغيرت سياسية السينما وخريطتها بشكل عام، أتغير كمان الرقص وأتحولت الرقصات كسلع تتباع في الملاهي الليلية ويرتبط العالم بتاعهم بعالم الخمورجية والمساطيل، بعد ما كانت الكازينوهات والمسارح مكان العائلات المحترمة والجمهور الراقي، ورجعنا تاني لنفس الصورة القديمة بتاعة وصمتنا القديمة كبنات ليل، وبعد ما كنا بنرقص في هوليود ونمثل مصر في المهرجانات زى تحية، بقينا نتكسر على أيد السكارى، وتتباري الرقصات في تأليف حركات مبتذلة عشان تجر رجل الزبون…

–  لو دورتي في قلب كل بنت هتلاقيها بتحب الرقص كفطرة جميلة بتحسسها أد أيه هي أنثي جميلة، الرقص بينحت جسمها وبيجلي روحها من الحزن والهم، بس شرط أنها تتحرك مع كل نغمة، فتضرب النغمات روحها زى ما بيضرب الحجر قلب البحيرة، فتهتز كل حتة في كيانها لحد آخر حتة فيها.

كانت تقلبني كل ليلة مع حكايات شتى عن منشأ الرقص كعبادة في أروقة المعابد القديمة، أو على حكايات مختلفة وغريبة عن منشأ الغجر، الذي نسب في بعض الحكايات إلينا كمصريين مثلما نسب للهنود قديما.

استغرب أن الرقص عاد بطل المشهد ولم يعد، فنجده بطل أفلام هزلية لاستعراضات حركات مبتذلة لراقصات أجنبيات، أو مصريات، ولكن تخشي الأمهات على أولادهن من مشاهدتهن، فأغلبهن لا يمتلكن بعض من روح ومتعة الجميلات الأوائل اللائي كن يستمتعن بأنفسهن وإحساسهن بالرقص، فينقل لنا متعتهن كمس جماعي للجمال والرقي..

أعود لتلك الحكايات القديمة وأتخيل نفسي جميلة وآسرة كتحية وتيتي وسامية ونعيمة وزينات علوي وغيرهن من الجميلات الفاتنات، أغلق بابي وأشغل الموسيقي وأتناغم معها لنخلق لحنا جديدا لمعني الاتساق…

_________________________________

*(1) من ديوان (فركة كعب) صدر عن المجلس الأعلى للثقافة سلسلة الكتاب الأول.

*(2) كلمة الغجر كلمة هندية الأصل حيث هناك لغة هندية قديمة تدعى بالغجراطية ذكرها أستاذ اللغات (جوبسون) في بحث عن تعلم اللغات وصعوبة اللغات الهندية. ويتفق معظم الباحثين في مجال الغجر أو ما يسمى بعلم الغجريات.(Gypsology) على أنهم منحدرين من أصل هندي، وقد هاجروا على شكل موجات نحو الغرب والشمال مرورا بالشرق الأوسط. وهم الشعب الوحيد الذي قدمته الهند إلى أوربا في السنين الثلاثة آلاف الأخيرة. مقابل الشعوب التي أتت من أوربا إلى الهند. ويعيش الكثير من الغجر في الهند إلى الآن كما يعيشون في كل بلد تقريبا.

*(3) الغوازي هن راقصات الشوارع، ولم تكن إحداهن عالمة بالألحان أو الغناء.(من مقال لأحمد قطب نشر في العربية)

*(4) العوالم هي الكلمة التي درجت على ألسنة العامة جمعاً للفظ “عالمة” والعالمة كانت تتميز عن الغازيّة أو الغجرية بأن لها علم بالموسيقى والألحان والعزف على العود، وأحياناً كانت تحفظ العالمة بعض القصائد والأشعار التي تقوم بغنائها إطراباً للمستمعين، كل هذا طبعاً فضلاً عن الرقص. (من نفس المصدر السابق)

داما

داما

التاء المربوطة في أبجدية بكرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!