ملك حفني ناصف..

إن أكثر ما لفت نظري في الفترة الماضية هو مقدار التطرف في الأفكار -سواء جهة التحرر أو جهة التدين- والذي بان جلياً من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ومنابر الأفكار المتبادلة الحرة مثل فيسبوك، رغم أن الوسطية هي لب الإسلام، وعماد الحرية هو احترام حريات الآخرين دون الإضرار بالمجتمع.

وبينما كنت أبحث عن جوانب شخصية ملك حفني ناصف (1886م – 1918م) أعجبني كثيرا ما وجدته من آراء وسلوكيات، كالموج الهادئ لا تميل كل الميل إلى التحرر بغض النظر عن الأسس الدينية والأخلاقية، ولا يعميها انتماءها للدين عن حقوقها واستقلالها وعواطفها، بل وإنها أسلمت نفسها لباب من أبواب المعاناة لكي تحافظ على صورة المرأة المتعلمة في عيون المجتمع الشرقي؛ ذلك أنها حينما علمت بأن زوجها شيخ العرب عبد الستار الباسل قد أخفى عليها زواجه، وأنه عقيمًا وينسب ذلك إليها، كان موقفها أن رفضت الطلاق -رغم اقتناعها أنه أخف الضررين-؛ حتي لا يقال أن المتعلمات المشاركات في الحياة العامة يفشلن في حياتهم الخاصة.

وربما يرجع هذا لتربيتها وبيئتها؛ حيث إنها ابنة حفني ناصف بك رجل القانون والشاعر وأستاذ اللغة العربية وأحد مؤسسي الجامعة المصرية، وختم حياته بكتابة المصحف على الرسم العثماني.


ألا ترون أن كل هذا كفيلا بأن يصنع شخصية مختلفة كملك حفني ناصف؟

فإنها أول امرأة مصرية جاهرت بدعوة لتحرير المرأة، وأول فتاة مصرية تحصل على الشهادة الابتدائية عام 1900، كما حصلت على شهادة في التعليم العالي لاحقا، وكانت تجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ونادت بحق المرأة في التعليم قائلة:
“إن المرأة يجب أن تتعلم بما يمكنها أن تكون مستقلة عن الرجل نوعا، لا عالة عليه، لا أريد بقولي هذا أن أحث النساء على ترك الأشغال بتدبير المنازل وتربية الأطفال إلى الانصراف لاحتراف القضاء والمحاماة، ولكن إذا وجدت منا من تريد الاشتغال بإحدى هذه المهن، فإن الحرية الشخصية تقضي بألا يعارضها المعارضون.”


ودعونا نتطرق لآرائها في عدد من قضايا مجتمعها آنذاك لنرى ذلك التوفيق بشكل عملي..

فقد طالبت بحق المرأة في رؤية العريس المتقدم لها، ومخالطته في وجود الأهل، وقالت: “على ملاءمة سن الزوجين يتوقف شيء كثير من الوفاق والمحبة، والواجب ألا تتزوج الفتاة إلا متى صارت أهلا للزواج، كفئا لتحمل مصاعبه.”

 ولكن ملك لم تدعو المرأة المتعلمة العاملة للتخلي عن أنوثتها ورقة طباعها، و كانت ترى أنه: “كما يتوارث الأولاد اللون والخلقة عن والديهم يجب أن يتوارثوا عنهم أيضا أخلاقهم الحسنة ومميزاتها”.

وطلبت من الزوجين أن يتجنبوا الكلفة فيما بينهما، وأن تظهر الزوجة في عيني زوجها بمظهر البشاشة واللطف والأنوثة، وأن تتجنب التدخين والمسكرات، وأن تحافظ على رشاقتها، وتغار بعقل، فقالت: “الغيرة القليلة ممدوحة؛ لأنها تدل على حب الشخص للآخر وعلى اهتمامه به، وأما إذا استعملت الزوجة الغيرة في غير موضعها فإنها تشقي زوجها.”

وعن التعدد الذي عانت هي منه فقالت: “ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فكيف ورجالنا على هذا الاستبداد يأملون إصلاح الأمة، أما والله لو أرانا رجالنا عناية واحتراما لكنا لهم كما يحبون، فما نحن إلا مرآة تنعكس علينا صورهم، ولنا قلوب تشعر كما يشعرون. فان أردوا إصلاحنا فليصلحوا من أنفسهم.”

.
وفي ذلك الوقت كانت هناك آراء غربية ترجع تأخر الشرق إلى التمسك بالحجاب، فردت ملك على كلامهم بقولها: “إن الأمم الأوروبية قد تساوت في السفور، ولم يكن تقدمها في مستوى واحد، فلماذا لم يسوّ السفور بينها جميعا في مضمار التقدم، إذا كان هو الأساس للرقي الحضاري كما يزعم هؤلاء؟!”. وكان رأيها في الحجاب أن الأولي التخلص من الحجاب المعنوي الملقى على عقل المرأة، ثم يكون لها القرار فيما يخص الحجاب المادي قائلة: “إذا قمتم بواجبكم نحونا، وهو تعليمنا وتهذيبنا، إنا بعد ذلك أبصر منكم بما ينفعنا، وما يضرنا.”

وما العجب أن ذلك الوجدان النابض بالمشاعر العاقلة قد بث الورق أدبه! ؛ فقد نشر لملك حفني ناصف قصيدة في جريدة “المؤيد” وهي في السابعة عشر من عمرها، ثم دعاها الشاعر الكبيرمطران خليل مطران إلى الكتابة في مجلة “الجوائب المصرية”.

 وأسست عدة جمعيات منها: جمعية الاتحاد النسائي التهذيبي، ولها مقالات جمعتها في كتاب أسمته (النسائيات)، وكتاب آخر بعنوان (حقوق النساء) حالت وفاتها دون إنجازه، وقد رثاها حافظ إبراهيم وخليل مطران، وكذلك الأديبة مي زيادة.

فهل ننتهج نهجها، ونتفكر، قبل الدعوة إلى الحريات المطلقة بزعم إطلاق سراح المرأة، أو قبل الدعوة إلى إغلاق عقول النساء عن العلم والتنور بزعم حمايتها وتدينها؟ هل نتفكر؟

المصادر:

ويكييبديا، مجلة المنار العدد 83، القصة السورية أحمد تمام، وغيرها.

إيمان الميهي

إيمان الميهي

دراستي آداب إعلام راديو.. وحلم حياتي اشتغل في راديو.. درست كمان ترجمة.. وشاعرة عامية وعندي ديوان فردة حلق.. بكتب نثر فصحى.. بعمل ورش شعر وإلقاء للأطفال والكبار.. واتمنى أسيب أثر في الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!