مقدمة

بقلم: دعاء فتوح

هل شرع الزواج لتنظيم غريزة الجنس؟!، أم أن الغريزة الجنسية وجدت كجائزة للترغيب في الزواج؟!

نتعامل مع مفردات ومشاكل الحياة بشكل آلي، كتنفس لا يضطرب إلا عندما نفكر فيه، كنت أتناقش مع صديقتي في هذين السؤالين، بعدما اخترنا في (داما) فتح ملف الطلاق، ومحاولة فهم أسباب تحوله لظاهرة، فالسؤال فرض نفسه علينا لمحاولة فهم ماهية الزواج، والزواج كما نعلم هو الإطار الذي شرعته الأديان، وقبلت به المجتمعات كشكل ينظم ويعطي شرعية للعلاقة الحسية الحميمة (الجنس) ما بين الرجل والمرأة، اختلفت كثيرا واتفقت أكثر مع كل من ناقشته لتكوين رؤية ما، بجانب قراءتي التي تعددت وتشعبت بشكل لم أتوقعه، فكانت تبدو الأمور سهلة وبسيطة لحظة اختيار موضوع الملف!!

ومن أكثر المناقشات فاعلية، كانت مناقشتي مع زوجي، فقد اختلفنا في الإجابة ظاهريا، فهو اختار الخيار الأول بسبب إلحاح الغريزة الجنسية، ولأن الواقع يؤكد أن كثيرا من الأشخاص يستطيعون إقامة علاقات جنسية سعيدة خصوصا في الغرب بعيدا عن مؤسسة الزواج ومسئولياتها ومتطلباتها، وفي تلك الحالة أين الجوائز المغرية في الزواج؟!

وخياري كان الثاني بناء على وضعي لمفاضلة منطقية من وجهة نظري ما بين الوسائل والغايات، ورأيت أن الجنس وسيلة والغاية تكمن في الأسرة، كمفهوم تبني عليه المجتمعات، والغريب أنني الآن عند الكتابة أكتشف ببساطة أن الجنس والزواج والإنجاب، كلها ما هي إلا وسائل يهذب بعضها البعض، ويرابط ويعاون بعضها البعض، لسمو الإنسانية وبقائها كنوع وروح في آن!!

ولأننا لن نختلف أبدا حول أهمية التواصل والتعاون الإنساني الذي يبلغ ذروته عند ارتباط رجل بامرأة، ولأن )الغموض( هو حجر أساس مكمل لثلاثية (قبول التكرار اليومي بوصفه اختلاف)، ثم قبول (التناقض) ما بين عوالمنا وأهدافنا مع ما يحيط بنا من معطيات وأفراد، كي نستطيع تعديل معارفنا واعتقاداتنا وسلوكياتنا تجاه العالم الذي نعيش فيه*(1)، فلماذا لا نفكر إذن في حجم تدخل العوالم الميتافيزيقية في تفشي الطلاق وانتشاره، فمهما كبرت عقولنا وتطورت علينا التسليم  بوجود هذا الغموض.

قال ربنا عز وجل في كتابه العزيز:”فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه”*(2)، كما أخبرنا رسولنا الكريم (صلي الله عليه وسلم) في حديث صحيح :”إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجئ أحدهم فيقول: مازلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئا. ويجئ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله: فيقربه ويدنيه ويلزمه، ويقول نعم أنت”*(3)

ووفق كل معتنق إيماني مهما اختلف تشريعه، هناك حرب دائمة ما بين الخير والشر، وفي الأديان السماوية تحديدا هذه الحرب ما بين الإنسانية التي في أصلها (أدم)، وبين الشيطان الرجيم الخفي الذي يحكم عوالم خفية من الإنس والجان، ولا يتصل الإنسان بتلك العوالم الخفية إلا عن طريق قوي غامضة تعرف بالسحر، الذي تكمن أعلى نقاط قوته وبأسه في فك طلسم العلاقة الأزلية ما بين الرجل والمرأة طبقا للآية الكريمة، والحديث الشريف.

والطلاق “في السنوات الأخيرة لم ترتفع نسبته وتتحول إلى ظاهرة فقط، إنما أيضا تغير أسلوبه والأسباب المؤدية إليه، وحتى مواعيده!!*(4)”، ولا يعنينا في تلك اللحظة الوصول لشيطان وجان، لفهم دورهما في اتساع دائرة أسبابه، ولكننا نحتاج إلى امتلاك إرادة حرة، وعقولا تحلل وتبحث وتستنبط أسبابا ملموسة قد تساعدنا على فهم تلك الأزمة المتفاقمة والتي لا نختلف أبدا على خطورتها، فالعلاقات الإنسانية تتآكل، وتختفي الجهود البشرية التي كانت تتخذ من الحب والثقة والتعاون أساس لبناء هذا العالم الذي نعرفه، والأسرة تمثل نواته ودعامته الأساسية، فشبح الانفصال والطلاق يخيم على العالم أجمع.

____________________________________

*(1) حديث شخصي مع أستاذي الدكتور رمضان بسطاويسي، أستاذ علم الجمال، ورئيس قسم الفلسفة بكلية البنات، جامعة عين شمس.

*(2) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية (102).

*(3) صحيح مسلم.

*(4) حديث تليفوني مع الدكتورة “عزة كُريّم، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.

داما

داما

التاء المربوطة في أبجدية بكرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!