متى حدث كل ذلك!

في ظل حياة سريعة متلاحقة لا تدعنا نلتقط أنفاسنا وكأنها تمر علينا مرور الكرام.. نتذكر أشياءًا كثيرة حدثت منذ مدة نظن نحن أنها مدة قصيرة، ولكن نفاجأ أنها سنوات طويلة.. لنكتشف أن كل ما يبقى لدينا في رحلة الحياة هي تلك الذكريات التي تجعلنا نضحك أو نبكي عندما نتذكرها..

 أذكر ذات يوم نادتني جدتي –يرحمها الله- وقالت لي عندما أموت تذكريني وأدعي لي بالرحمة.. كان ذلك في عصر يوم صيفي مشمس، ولم أكن اتوقع وقتها أن بعد هذا اليوم بأيام قليلة سترحل جدتي إلى الأبد.. استرجع مقولتها وجلستنا تلك وكأنها أول أمس -مثلا- رغم مرور قرابة العشرين عامًا على ذلك اليوم!

احيانًا أشعر وكأني مازالت طالبة في الجامعة.. لأفاجأ بأنه مر العديد من السنوات على تخرجي منها.. وتبدلت أحوالي أنا وأقراني؛ هناك من صار يعمل إعلاميًا، وآخر ختار عملا مكتبيًا، وهناك من تزوجت، ومن لديهم الأبناء، وهناك من مازال يبحث عن نفسه، وآخرون توفوا وتركوا دنيانا.. والعامل المشترك بيننا جميعًا هو أنه لا أحد في مكانه، الجميع تحرك واختلف، وأذاقته الحياة بعضًا من دروسها الصعبة أو الجميلة، ولكن بداخلنا نحن مازالنا أطفال..

عندما بدأت عملي كانوا يخبروني أن فلان في مكان العمل منذ عشرين عام وآخر على وشك الخروج للمعاش، كنت أتعجب في سري كيف أمضى كل تلك المدة الطويلة وهل سيحدث هذا معي يومًا.. أجلس اليوم اتساءل أيضًا كيف مرت عشر سنوات وأنا في العمل، أتذكر أول يوم جئت فيه وماذا حدث كأنه البارحة..

مازالت أتذكر وأنا ذاهبة إلى المدرسة وأمي توصيني بأن آكل سندوتشاتي كلها، وأن أتحلى بالأدب، وأكون شاطرة في دروسي حتى تجعلني ألعب مع بنت الجيران على السلم في الإجازة.. كلامها يرن في أذني حتى الآن..

أذكر لبسي الصغير وإني كنت أتوق لأكبر حتى أرتدي الكعب وأرتدي الجيبة القصيرة وأضع الروج وأمسك شنطة يد.. وحين كبرت لم أعد أريد في يدي شنطة لأنني أمسك في يدي معظم الوقت واحدة كبيرة لتسع كل أشيائي التي أخذها دون الحاجة ولكني أخشى أني قد احتاجها وأنا خارج المنزل..

كنت أكتب قصص وأنا صغيرة.. وجدتها وأنا أبحث في أشيائي منذ فترة وضحكت كثيرًا على برائتي وحبي للكتابة منذ الصغر، واكتشفت أني أهملت تلك الموهبة للأسف حتى كادت أن تضيع مني وسط زحمة الحياة، وأحاول الآن أن ألحق بها.. وأيضًا وجدت بعض الرسومات المضحكة التي كنت أرسمها وأنسج حولها حدوتة.. والمكتبة التي كنا نذهب لها في الصيف نقتني القصص ونمثل بالعرائس وحبي لرائحة الكتب..

المدرس الذي كانت البنات في الفصل الإبتدائي مفتونة به كان يخبرني بأني مثل الفتاة “نيسان” الموجودة في كارتون سلاحف النينجا، في حين كان يشبه شلة بنات بأنهم السلاحف نفسها وكنا نضحك كثيرًا على ذلك..  

فرح خالي وأنا صغيرة أبكي لأنني كنت أريد أن أغني في الميكرفون مع الفرقة ولم يحدث.. وكانت أول مرة أعمل شعري سيشوار وكنت فرحة به كثيرًا هو والفستان..

خالي عندما كان يأخذني معه إلى العيادة كل يوم ونسمع محمد فوزي في الطريق، لذا كنت أحبه كثيرًا.. وذهابي مع ماما لمدرستها وكنت بنت الأبلة والكل يدللني..

حبي للأفلام القديمة والأجنبي والمسلسلات والقصص والتمثيل منذ الصغر.. حتى أنهم كانوا يقولوا إني مدمنة تلفزيون وأسهر حتى تغلق القناة الأولى والثانية ويأتي الختام بالقرآن.. وعشقي لتوم أند جيري وهيرقليز وزينة ولن أعيش في جلباب أبي ومن ذا الذي لا يحب فاطمة وصغيرة على الحب، وانتظاري لبرنامج نادي السينما ويوم الجمعة المميز ببرامجه مثل عالم الحيوان، وأنا أسمع عبد الحليم وعمرو دياب وإيمان البحر درويش ومصطفى قمر وأحب سعاد حسني وأريد أن أمثل وطول اليوم أشعر وكأن الكاميرا تراقبني.. وكنت أتعجب كيف الكبار يسمعون الأغنية الطويلة لأم كلثوم، في حين أني عندما كبرت أصبحت عاشقة لها.. والمفاجأة التي أحدثتها نانسي عجرم في ظهورها الأول بأغنية “أخاصمك آه”، وكذلك ألبوم تامر وشيرين “لو كنت نسيت” وتامر حسني وهو يمسك الجيتار وإعجاب البنات به، والمسلسل التركي “نور” وظهور مهند..

شريط “عودوني” لعمرو دياب الذي سجل عليه ابن خالي الصغير صوته حيث ضغط دون أن يقصد على اختيار التسجيل في الكاسيت، وضيقنا الشديد منه في ذلك الوقت.. وشرائط أغاني الكوكتيل التي كان يسجلها لنا محل الكاسيت.. 

مشاهدة فيلم تيتانك في الفيديو لأول مرة.. وأول جهاز كمبيوتر جدتي أحضرته لنا كهدية أنا وأختي بعد نجاحنا في الامتحانات، وعليه سمعنا كاظم الساهر وسيلين ديون، ولعبنا سوليتير وماريو وغيرهما الكثير..

حلمي ورغبتي في دخول كلية إعلام.. وسهري ومذاكرتي ودعائي أن يحقق الله ذلك.. وأنا أحل واجب الإحصاء واستمع لبرنامج أنا والنجوم وهواك لأسامه منير في الراديو وحلمي بأن أقابل حب عمري في الجامعة -مثل الأفلام- ولم أقابله هناك..

الوريقات الصغيرة التي كنت أجدها في بلكونة جدتي ويخبرني فيها ابن الجيران أنه يحبني، وكنت أخجل وأجري استخبى عندما أراه.. وتلك الرسائل التي كانت تأتي لي على الموبايل وأنا في الجامعة يعبر فيها أحدهم عن إعجابه بي ولا أعلم من هو حتى الآن..

ألعابنا أنا وأختي وبنت خالتي التي كانت على شكل مسرحيات من تأليفي وإخراجي.. وألبوم الصور الكبير الذي كنا نجمعه من الصحف والمجلات لكل المشاهير حتى ملأنا شنطة كبيرة مليئة بصورهم وكل يوم نشاهدها..

ذهابنا إلى السينما كأنه حدث تاريخي.. فيلم صعيدي في الجامعة الأميريكية مع ماما وخالي في سينما فاتن حمامة بالمنيل.. وبكائي لرغبتي في دخول الفيلم مرة أخرى..

أيام سفرنا لوالدي الذي كان يعمل في السعودية في ذلك الوقت –وإن كانت قليلة- لكن لن أنسى أجمل أشياء حدثت هناك وهي العمرة وزيارة بيت الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام-.. وأنا صغيرة كانت ماما تشاور لي في الخريطة على بيت جدتي التي كانت تنتظر في شباكها عودتنا بفارغ الصبر..

بكائي وحزني الشديد عندما مات الكتكوت الذي كنا نربيه (كوكي) ولعبه معنا حيث كان يجري خلفنا في الشقة، ونأخذه معنا إلى الحديقة والمراجيح حتى لا نتركه بمفرده..

سفرنا إلى الإسماعيلية والمانجا التي كنا نحبها من هناك.. وسيارة بابا ال 27 التي كانت تعطل بنا في الطريق.. وسفرنا لمرسى مطروح وركوبنا الدراجات ولعبنا للبلياردو..

الموبايلات القديمة الكبيرة.. ورغبتي في إقتناء واحد وماما تخبرني وأنا ذاهبة إلى الجامعة حتى لا يشغلني عن مذاكرتي، وفرحتي الأولى به حين امتلكته..

عندما كُسرت رجلي، وعملت عملية الزايدة وكنت وقتها أشتاق لكل أنواع الأكل حتى التي كنت أكرهها لأني كنت آكل مسلوق فقط.. 

رمضان والفوازير ونيللي وشيريهان وفطوطة وبوجي وطمطم والتجمعات العائلية وعزومات جدتي -التي كانت كل أسبوع طوال السنة-، والعيد والملابس الجديدة وطعم الكحك بالسمنة البلدي من يد جدتي..

ما أسرع الحياة وما أغربها!.. ذكريات كثيرة لم أكن أتخيل أنه فات عليها كل ذلك الوقت وأتعجب حين أدرك أنها سنوات طويلة، وأتساءل متى فات كل هذا وأصبح ماضي!

شيماء يحيى

شيماء يحيى

بنت مصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!