ماذا لو حكمت النساء العالم ؟!

برغم أن هذا التساؤل ينتمى إلى العصور المظلمة والمرتبكة فى الحراك النسوي، وتلاشى في معظم بلاد العالم، لكنه لا يزال يسود ولا يُقايض عليه في العالم العربي، مقابل إنصاف وتأييد العديد من السياسين والأكاديمين والباحثين لفرضية “حكم النساء” إذ يروا أن العالم الذى ستحكمة النساء سيكون أكثر سلامًا، وأن احتمالات دعم النساء للحروب مثل حرب فيتنام أوالخليج أوغزو أمريكا لأفغانستان أوالعراق أو الحروب والصراعات فى أفريقيا أقل عمومًا من دعم الرجال، ونسبة ارتكابهن جرائم القتل أقل بكثير كذلك، إضافةً إلى ضعف تأييدهن للهجمات الإرهابية مقارنةً بالرجال، كما أن إدارتهم للأزمات الطارئة وغير المتوقعة تتم وفقًا لمنهاجية منظمة استنادًا لما لمسناه من تجارب تاريخية أثبتت فيها المرأة جدارتها بالحكم والإدارة.

 ولعل هذا ما دفع الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” بالحديث حول أن : “النساء أفضل من الرجال في قيادة العالم، مشيرًا إلى أن هذا الأمر لا جدال فيه، وأن مشاكل العالم سببها الرجال، الذين لايفسحون الطريق لغيرهم”، وأضاف “إذا قادت النساء كل الدول حول العالم، فمن الممكن أن نرى تحسنًا كبيرًا في كل شيء حول العالم .. ستقل الحروب، وسيحصل الأطفال على رعاية أفضل، وسنشهد تحسنًا عامًّا في مستوى المعيشة والدخل”.

قيادات نسوية: 

الكثير من النماذج النسائية نجحت فى تغيير الصورة النمطية عن إدارة المرأة سياسيًا واقتصاديًا، إذ أثبت التجربة الواقعية مدى حنكة المرأة فى إنجاز كافة المهام الوطنية، وهناك العديد من النماذج النسوية الملهمة فى العمل السياسي، منهن: النموذج الألمانى بقيادة “أنجيلا ميركل” وإعادة إنتاج صورة قوية عن الحكم النسائي قائمة على إداراتها الناجحة لعدد من الملفات والقضايا المتشعبة وإنجاز كافة المتطلبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

 وكذلك “إلين جونسون سيرليف”،أول رئيسة تفوز فى انتخابات حرة فى أفريقيا، والتى تمكنت بحكمتها السياسية إنهاء حربًا أهلية استمرت فى بلادها ليبريا 14 عاما، ولقبت بـ”المرأةالحديدية”، وحصلت على جائزة نوبل للسلام فى عام 2011.

وفى شرق أسيا، تُعد “باك كون هيه” أول امرأة تنتخب لرئاسة كوريا الجنوبية، لأنها تُعد أول امرأة ترأس إحدى دول شمال شرق آسيا، وأطلق عليها بـ”ملكة الانتخابات”، كما أنها احتلت المرتبة الـ 46 فى قائمة فوربس لأكثرالشخصيات نفوذًا فى العالم.

دون إغفال المُلهمة “أندريا غاندى” والتى شغلت منصب رئيس وزراء الهند لـ 3 فترات متتالية، وأصبحت الهند بقيادتها بلد اًقوى، وأحرزت تطوُّرًا في مختلف المجالات. إذ أضفت بتحركاتها النوعية نوعًا جديدًا من النشاط على السياسة الدولية بدفاعها عن البلدان الفقيرة والنامية في العالم، وكانت من المكافحين لتحقيق السلام العالمي أيضًا. وفي عهدها قامت بإنجازات عظيمة جعلت الهند فى مصاف الدول الصاعدة، إضافة إلى برنامجها المؤلف من 20 بندًا لدعم الفقراء، كما ترأست حركة عدم الانحياز.

ليس هؤلاء النسوة فقط من استطع تسطير مسيرتهن السياسية بحروف من فخر، بل هناك المزيد والمزيد فى الشرق والغرب والشمال والجنوب، إذ أن التاريخ القديم والحديث يحظى بالعديد والعديد من النماذج النسوية والتى اشتهرت بالحكمة والنزاهه ورجاحة العقل بالحكم.  

الإيقاع السريع: 

إحدى أهم مميزات الحاكم الناجح، هو مدى قدرته على التكييف النوعى مع الأزمات الطارئة والعمل وفقًا لـنظرية “الإيقاع السريع” لإدارة مثل تلك الأزمات الطارئة والأحداث الغير متوقعة. ولعل أكثر السياسات الناجحة فى العالم فى مواجهه جائحة كورونا تم تسجيلها– وفقًا لتقرير مجلة فوربس الأمريكية- لصالح الدول التى تحكمها القيادات النسوية ومدى سرعة تجاوبهن مع أزمة جائحة كورونا داخل بلدانهن، وهن: أنجيلا ميركل في ألمانيا، وكاترين جاكوبسدوتير في آيسلندا، وإيرنا سولبرغ في النرويج، وتساي إنغ ون في تايوان، وسانا مارين في فنلندا، وجاسيندا أرديرن في نيوزلندا، وميتي فريدريكسون في الدنمارك.

الأمر لا يتعلق فقط بنظرية “الإيقاع السريع”، ولكن النقطة الأبرز تتمثل فى أنه عندما تُمثل النساء في مناصب قيادية فإنهن يضفين تنوعًا على عملية صنع القرار، وهو ما يفضى بدورة إلى التوصل لقرارات أفضل لأنك بذلك تستمع إلى رؤى الرجال والنساء. وهذا مختلف عن الأسلوب الذي يتبعه القادة الرجال مثل استعراض العضلات وإنكار الحقائق العلمية، مثل أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو. إذ تميزت القيادات النسوية باستراتيجيتهم نحو محاصرة تداعيات جائحة كورونا على بلدانهن باستخدام عدة أمور، أهمهم: 

اتباع سياسة الشرح البسيط وبدون كلمات أو مصطلحات كبيرة وبشكل واضح ومباشر، وليس كما فعل القادة الرجال من إستدعاء خطاب الحرب والخطاب الأمنى، بالإضافة على محافظتهن على اتصال مباشرمع المواطنين بشكل يومي وفي ساعات محددة.

التماهي الحقيقي في شعوبهن وخاصة الفئات الهشة والمتضررة اقتصاديًا، واتخاذ خطوات عملية، مثل ما أعلنته نيوزيلندا عن قطع 20% من راتبها ورواتب الوزراء، بالتوازي مع منح المساعدات.

الخطاب السياسي الجامع الذي استعملته القيادات النسوية والذى أعطى لشعوبهن شعورًا بالمسؤولية تجاه أنفسهم وبلادهم.

واقع عربى مؤسف:

من المؤسف أن مجتمعاتنا العربية لم تلتفت لمثل تلك النماذج الناجحة لنساء قياديات في العالم، ليساعد نساءه على ممارسة هذا الدور، حيث وصلت المرأة في أوروبا وأمريكا وأفريقيا إلى أعلى المناصب وأكثرها حساسية من بينها وزيرة دفاع، ووزيرة الداخلية والأمن الداخلى، ورئيسة وزراء، ورئيسة دولة. بل إن دولا في العالم الثالث مثل الارجنتين وشيلي والبرازيل والهند تولت رئاستها نساء ودول سلامية مثل باكستان والبنغلاديش تولت المرأة فيها منصب رئيسة الوزراء، دون إغفال تحسن وتقدم وضعية المرأة فى هيراركية الحكم السياسي فى العديد من الدول الأفريقية.

ويرجع أسباب عدم تصعيد المرأة العربية لمصاف القيادة السياسية وحكم الدولة، إلى سببين: الأول عدم تولى المرأة العربية الجيوش العربية، إذ أن غالبية النظم الشرق أوسطية قامت على إنقلابات سياسية وعسكرية، والسبب الثانى يتمثل فى الخرف والدجل بإسم الدين، إذ بفعل التفسيرات الدينية المغلوطة بالشريعة الإسلامية إستطاعوا تقزيم مكانة المرأة وأدوراها القيادية فى المجتمع، بل والتحذير من عواقب تولى النساء القيادة على المجتمع، استنادًا لتفسيرات مغلوطة فى الدين، مثل حديث  “ناقصات عقل ودين” أوحديث “لاتفلح أمة ولوا أمورهم امرأة”، دون النظر أو الفهم أو التفسير الدقيق حول أن كلا الحديثين يفهماعلى غير وجهه، وكل منهم ارتبط بحادثة معين، وبزمن معين، وبأشخاص وبسياق معين، وأنه لمن الإجحاف تعميم تلك الأحاديث القديمة على مجمعاتنا المعاصرة لاختلاف السياقات والموضوعات والأشخاص وواقعة الحدث والحديث، فلكل مقام ما قال. 

صراحة .. برغم كل تلك المعوقات والمغالطات حول إفساح المجال للقيادات النسوية، إلا أن هناك تطورًا نوعيًا فى بعض الدول العربية لا يمكن إغفالها، فبعض المجتمعات التي لم تكن تعترف بأي دور سياسي للمرأة بدأت تعين النساء في بعض المجالس والهيئات كذلك البرلمانات، وبدأت تفسح المجال للمرأة ولوبصورة رمزية ونخبوية، ولازال هناك حراكًا نسويًا ملحوظًا فى الدول العربية بدأ أن يؤتى ثماره بسن العديد من القوانين والتشريعات التى تخص المرأة وتحركاتها فى المجال السياسي. ويمكن القول بصورة عامة أن بعض الحواجز التي كانت قائمة منذ ما يقرب من عقدين قد شهدت تحسنًا نسبيًا.

بالمقابل، لايعني ذلك أن الوضع الحالي يدعو إلى الاستكانة والاسترخاء، بل على العكس فإن الوضع الحالي يطرح العديد من علامات الاستفهام، إذ برغم مشاهدة العديد من النساء العربيات يقارعن السياسة في عدد من الدول العربية إلا أن مسألة توليهم قيادة الدولة لم تتحقق حتى اليوم، فهل ستتحقق تلك الفرضية غدًا؟!

إيمان زهران

إيمان زهران

متخصص فى العلاقات الدولية وقضايا الأمن الإقليمي، تعمل فى السلك التجارى ووزارة التجارة والصناعة، ومدرس من الخارج للعلوم السياسية بجامعة 6 أكتوبر بالقاهرة وعدد من الجامعات والأكاديميات الخاصة، وجامعة الزيتونة بالمملكة الاردنية الهاشمية، ومشرف أكاديمي لعدد من البرامج وورش العمل التدريبية فى كل من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وسفارات الدنمارك والسويد وأسبانيا فى القاهرة ، وعضو لجنة العلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة، وتتعاون مع عدد من المراكز البحثية ومراكز الفكر المصرية والاقليمة والدولية، لديها عدد من المؤلفات الأكاديمية فى مجال العلاقات الدولية وقضايا الأمن الإقليمى، أخرها كتاب بعنوان "التغيرات المناخية والصراع الإقليمى للمياه في الشرق الأوسط" ، وأخر بعنوان : "المحدد المائي کآلية للصراع في المشرق العربي"، بالإضافة إلى العديد من الدراسات الأكاديمية المُحكمة المنشورة بالدوريات المصرية والإقليمية والدولية>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!