قبول الآخر، كيف تعرف نفسك والآخرين

قبول الآخر، كيف تعرف نفسك والآخرين

مفهوم القبول  … (2)

ثم نأتى إلى مفهوم القبول، لنجد أنه في اللغة يعنى الموافقة او الرضا بالشيء وميل النفس إليه.. أو أنه: ” استجاب … استساغ، تقبل ، تلقى أو شابه حسب مقتضى الحال.

وهنا يستطرد الفيلسوف اللبناني (أديب صعب) فيتسائل: لو توقفنا عند الآخر في معناه الديني فكيف لنا أن نفهم كيف يقبل المسلم المسيحي والمسيحي المسلم ؟؟ كيف يقبل كل من السنى والشيعي الآخر؟؟ وكذا الارثوذكسي والكاثوليكي؟؟ كيف يقبل المؤمنُ اللامؤمنَ وهذا ذاك؟

ويوضح لنا أن هناك أنماطًا متعددة للقبول ، وفق اعتبارات عقلية وعقائدية واجتماعية ونفسية وسواها. النمط الأول هو قبول الآخر كـ”آخر”، أي قبوله على الرغم من” آخريته” أو اختلافه عنا. إذ نعتقد، في أحسن الحالات، أننا أصح أو أكمل منه دينًا، أو رأيًا أو ثقافة أو انتماء ..وأن قبولنا إيَّاه هو من قبيل الشهامة أو “العفو عند المقدرة” أو وضعه “في ذمَّتنا” أو تحت حمايتنا!

النمط الثاني للقبول ينطلق من أن الاختلاف بين إيمان وإيمان، أو رأي ورأي، قد يكون اختلافًا محضًا، لا يشير إلى أعلى وأدنى، أو أكثر صحةً وأقل صحة، بل يذهب إلى أني مقتنع شخصيًّا بذلك، وأني قد أكون على استعداد لتغيير موقفي إذا تم إقناعي أو إمدادي بحقائق مختلفة..  علاقة القبول في هذا النمط انضج لإرساء التفاهم، والمحبة فيها لا تقوم على الشفقة، بل على المساواة.. وإذا كانت الحياة داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات لا تقتضي، في أدنى شروطها، أكثر من النمط الأول للقبول، فلا شك أن النمط الثاني يجعل هذه الحياة أكثر سلامًا وانسجامًا واستقرارًا.

وإذا سلمنا بان أغلب المصطلحات التي ذكرت في المقدمة، مثل الحرية والمساواة والتسامح والادماج، والتعددية السياسية والممارسات الديمقراطية ، كلها تدل وتؤدي بدرجة أو أخرى إلى ترسيخ ثقافة وممارسات قبول الآخر في المجتمعات.. فإننا نجد لبعضها أصولا في مضامين إصلاحية متداولة خلال القرون الماضية..

ماهى  الممارسات الدالة على ” القبول” .. يرى البعض أن كلمة التسامح قد لا تعبر تعبيرًا دقيقًا عن الحق في الاختلاف وحرية الاعتقاد، بل يجب إغناء مفهومها بالمضامين العصرية مثل احترام الآراء والمعتقدات والمذاهب والاجتهادات المغايرة، وإقرار الأفراد والجماعات باحتمالات وقوعنا جميعا في الخطأ.

وأيضًا الابتعاد عن كل أشكال التعصب، والتطرف، والتحجر، والأنانية، والانغلاق، والنرجسية الذاتية المفرطة، وعن سائر مظاهر الهيمنة، والتسلط، والإقصاء، والتهميش، ويأتي ذلك من طريق تلافي أسباب الحقد والعنف، واعتماد الحوار المتحضر للتفاهم، وحل الخلافات عن طريق المجادلة بالتي هي أحسن، واحترام الحقوق والحريات الأساسية للإنسان.

والكثير من هذه المضامين الحديثة هي التي تأسست عليها مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، ونجد لها جذورًا في التنظير الفكري للتسامح منذ بدايته قبل أكثر من ثلاثة قرون حيث إن العديد من المفكرين مثل (لوك) و(منتيسكيو) و(فولتير) يعتبرون أن التسامح بمثابة دعامة أساسية للتنظيم الديمقراطي للحكم. يقول ( فولتير ) «كلنا ضعفاء وميالون للخطأ، لذا دعونا نتسامح مع جنون بعضنا البعض، بشكل متبادل، وذلك هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة، المبدأ الأول لحقوق الإنسان كافة ».


كما  أن المادة الأولى من (إعلان مبادئ بشأن التسامح) المعتمد من قبل المؤتمر العام لليونسكو في 16 نونبر 1995 نصت على « أن التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا، ولأشكال التعبير، وللصفات الإنسانية لدينا، ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح، والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد، وأنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبًا أخلاقيًا فحسب». وتضيف نفس المادة أن التسامح لا يعني التنازل أو التساهل، بل هو قبل كل شيء موقف إيجابي، يقر بحق الآخرين في التمتع بحقوقهم وحرياتهم الأساسية المعترف بها عالميًا، ولا تعني تقبل الظلم الاجتماعي، أو تخلي المرء عن معتقداته أو التهاون بشأنها…

ويبرز هنا السؤال عن  اسباب لجوء فرد أو جماعة أو دولة ما إلى العنف في أي من صوره..!!! ولماذا نجد مثل هذه الثقافة وتلكم الممارسات واضحة متجذرة في بلاد ما عن غيرها ؟؟؟

يقول الدكتور العراقي “خضر عباس” : “وتخضع عملية إدراك آخر الآخر (هم) -في بعض الأحيان- للتشويه، إذا كنا نحن نشعر بان الآخر يهدد وجودنا  أو كياننا.  ومن أشد أشكال هذا الكره والحقد هوالعدو الذي يكون قد ألحق أذىً وضررًا بالذات وليس أدل في وقتنا الحاضر على آخر الآخر كالاحتلال الإسرائيلي.

 ووجود الاحتلال -بحد ذاته- في أي بلد، هو أكبر عامل تهديد لأمن وسلامة الفرد والمجتمع . ويؤدي غياب الأمن الفردي، بشعور الفرد بالخوف والقلق والتوتر، الذي يؤدي إلى وجود العديد من الأمراض النفسية التي تدفع الفرد إلى البحث عن مصادر للثقة والاطمئنان والأمان، بالهروب من الواقع أحيانًا، أو اللجوء إلى حيل دفاعية وأساليب مرضية يعوض بها خوفه ، أو يلجأ نتيجة لشعوره بالضعف إلى الالتصاق بالآخر للحماية (أو حتى الذوبان فيه).

ومن هنا يقف العالم المتمدين الديمقراطي – الذي اصطلح على تسميته بالعالم الأول، يقف مسئولا وشريكًا أساسيًا، في إشعال وإذكاء كل مظاهر العنف والإقصاء والتقسيمات المذهبية والعرقية، وعمليات الإبادة الجماعية وغيرها من موبقات عصور الحرية والتقدم كما يتشدقون..

سامية حسنين

سامية حسنين

باحث حر في مجال تنمية الموارد البشرية والتطوير الإداري - ومدرب إداري. بكالوريوس العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. ماجستير ادارة الاعمال المصغر مع الغرفة المصرية لادارة الموارد البشرية. دبلوم إدارة الموارد البشرية- الجامعة الأمريكية بالقاهرة. - اكتساب بعض الخبرات العالمية من خلال الرحلات السفر إلى النرويج -ألمانيا - سويسرا - وهولندا، لتمثيل شركتي "شرش والزينة" لدي وكلائهما، وزيارة مصانع الآلات والمعدات. - السفر إلى دول البحرين، الكويت، الامارات العربية المتحدة، وليبيا مرات عدة لتنفيذ الدورات التدريبية. ( من 2001 الى 2007 ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!