في كل محنة منحة

كنت قرأت في كتاب أسمه “أربعون” لأحمد الشقيري أنه في كل فترة من حياته ينعزل ويذهب إلى مكان بعيد تاركًا بيته وعمله وكل شيء حوله؛ ليصفي ذهنه ويتفكر في حاله ويعيد ترتيب أفكاره ويحاسب نفسه ماذا فعل وإلى أين هو ذاهب، ويهدأ من روع نفسه التي أحيانًا نفقدها وسط الحياة ومشاغلها ويبحث عن سلامه النفسي من جديد؛ أسوة بما كان يفعل الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- حين كان يذهب إلى غار حراء كل فترة ويتفكر ويعيش مع نفسه في الخلاء.. كنت أُعجبت بالفكرة جدًا وتمنيت أن أفعل مثله.. وفات الوقت وأتاح الله لي تلك الفرصة من حيث لا احتسب، وليس ذلك من قبيل المصادفة ولكنها حكمة الله التي أرادت أن أكون بمفردي فترة في عزل حتى وإن كان داخل حجرتي ومنزلي ولكن بعيدة عن حياتي وأهلي وأصدقائي وعملي والطرق والزحمة والأحداث المحيطة وكل شيء حتى أني أيضًا أغلقت كافة وسائل التواصل الاجتماعي ولم يتبق لي سوى المكالمات والرسائل..

حين عدت ذات يوم إلى المنزل من العمل أشعر بصداع وحرارة منبعثة من جسدي، خُيل إلي أنه مجرد دور برد طبيعي يصيبني مع تقلب الجو ما بين حار وبارد نهارًا وليلاً.. ثم إذ به يتحول لفقد حاستي الشم والتذوق والإرهاق الشديد والرغبة في النوم طوال الوقت.. شكيت بيني وبين نفسي أنها كورونا رغم إننا جميعًا نستنكر ذلك في البداية، فهل من المعقول أن تصيبني أنا!، ورغم أني حريصة على الإجراءات الاحترازية وارتداء الكمامة طوال الوقت لكن ما لبث أن جاء شكي في محله حين أكد الدكتور ذلك، وأيدته المسحة.. 

بدأت أيام العزل في غرفتي، ولم أكن خائفة على نفسي بالعكس كان رضائي بقضاء الله أكبر من أي شئ، ولكن خوفي الشديد كان على أهلي.. وكانت دعواتي في كل صلاة ألا يصبهم أي مكروه..

في الاسبوع الأول والثاني كنت أشعر بالتعب الشديد فلا مجال لأي مشاعر أخرى.. والحقيقة أن كم الحب الذي حاوطني لم أكن اتوقعه، تليفونات ورسائل من كل صوب وحدب للاطمئنان علي والدعاء لي.. حمدت الله على كل هذه المشاعر الطيبة الجميلة التي يكنها الآخرون لي وبالفعل ساعدتني على الصمود.. وحقيقي أنا ممتنة لكل من وقف بجواري وساندني في تلك المحنة بالدعاء وبالكلمة الطيبة وأيضًا بالأفعال الجميلة من البعض..

ثم أصابني اكتئاب لفترة، ربما من الأدوية –التي أتعبتني- وربما من بقائي في غرفة واحدة طوال الوقت، حتى أني فكرت أن أوقف كل شيء وليحدث لي ما يحدث.. ولكن بعد صدمتي أن أختي أصابها ما أصابني، زادت مخاوفي على أمي وأبي.. وكان لابد أن استكمل العلاج وأحرص حتى لا يصاب أحدًا منهما بمكروه..

عرفت أني سأمكث فترة أخرى في العزل وخاصة حين جاءت المسحة للمرة الثانية إيجابي ومشاعري وقتها كانت تترواح ما بين قلقي على أختي وأهلي، وما بين إني كيف سأمضي كل ذلك الوقت في نفس المكان أيضًا، وما بين أنه لابد أن هناك هدف من الله لحدوث ذلك خاصة وكما قالت لي صديقة كلمة كانت بالأصل تتردد في بالي قبل مكالمتها ولكن شعرت عندما قالتها أنها رسالة من الله لي للتأكيد عما يدور في رأسي “في كل محنة منحة”.. وتذكرت أني كنت أريد أن أفعل مثل ما فعل أحمد الشقيري في كتاب أربعون وأبعد فترة عن كل شيء، وقلت لنفسي ربما هي تلك الفرصة التي كنت انتظرها..

بدأت أشغل نفسي بأشياء أحبها -على قدر استطاعتي- بعيدًا عن النوم الذي له النصيب الأكبر في فترة العزل، أشاهد أفلام كانت مؤجلة مشاهدتها وأقرأ كتب كان نفسي أن أقرأها واستمع لأغاني وموسيقى أحبها، مارست التأمل والاسترخاء..

شعرت أكثر بالامتنان لله على نعمه الكثيرة التي لا نشعر بأهميتها إلا حين نفقدها؛ كحاستي الشم والتذوق مثلاً حتى إني أشتهي كل أنواع الطعام –رغم عدم مقدرتي- لأني حُرمت من القدرة على تميز طعمها ورائحتها..

أظن أنها أيضًا فترة ضرورية لي لاتفكر في حالي ونفسي وماذا أريد في الفترة الباقية من عمري، وإلى أين أنا ذاهبة في هذه الحياة.. وربما هي فترة من الهدوء النسبي وكانت نفسي تطوق لذلك حقًا فأتذكر قبل العزل كنت أقول لنفسي لماذا دائمًا أجري -لأذهب للعمل وأعود للمنزل وأقوم بمهامي المختلفة-، فشعرت أن العزل ضغط على زر ما في حياتي ليقول لي كفى جري أرتاحي فترة وألتقطي أنفاسك قليلاً..

أيضًا فكرة أن الموت قريب منا بدرجة غريبة وما أدراني أنني كنت سأقوم من هذا المرض فالبعض يموتون منه أو يموتون لأسباب أخرى فجأة، فماذا ننتظر لنحقق أحلامنا أو ما نريده حقًا!.. وهذا أيضًا يجعلنا ندرك كم نحب أهلنا أكثر حتى من أنفسنا وأنهم نعمة من الله مهما اختلفنا معهم..

ومن المعاني السامية التي رأيتها في تلك الفترة أن مساعدة الآخر من أجمل الأشياء في هذه الحياة فرُب كلمة قد تعطي لأحدهم الأمل، وبدعوة قد تدخل على قلبه السرور كما حدث معي حين رأيت حب الناس ودعواتهم لي..

تساءلت أيضًا لماذا دائمًا نقلق على كل شيء.. على المستقبل، على أحبائنا، على أنفسنا.. فلنهدأ قليلاً.. قد نخطط لسنوات أمامنا ويأتي حدث واحد يغير مجرى كل شيء.. ولكن فلنثق أكثر في الله وفي تدابيره، لأن أي تغيير هو خير لنا ويذهب بنا إلى طرق قد تقودنا إلى أشياء جميلة أو إلى ما كنا نخطط له في الأساس ولكن بشكل آخر..

وشيء مهم أيضًا عايشته وهو الصبر والقدرة على الاستمتاع بالوضع الذي نتواجد فيه أيًا كان.. هناك جمال في كل شيء وفي كل موقف.. فالكنز في الرحلة حتى لو كانت تلك رحلة محفوفة بالمخاطر أو مليئة بالصعاب، ستجد في طياتها كنوز مدفونة تحتاج منك فقط البحث عنها..  

أفكار كثيرة روادتني وجعلتني أنظر للحياة بشكل مختلف، أدركت حقًا أن الحياة لا تستحق كل الحزن والغضب والتنافس وأذى الآخر والمشاعر السلبية الكثيرة التي نشعرها لأسباب قد تبدو غير ذات أهمية مقارنة بالمرض والتعب والفقد.. حقًا كان في المحنة منحة أعادت لي النظر للحياة والأشياء والناس بمنظور إيجابي، كما رأينا في فيلم الإنيمشن “روح – soul” عندما عاد من الموت نظرته اختلفت لكل شيء حوله للشجر للقمر للطيور للأشخاص ولحياته اليومية العادية المتكررة فهي نعمة من الله ولابد أن نستمتع بها  قدر استطاعتنا وقبل فوات الآوان.  

شيماء يحيى

شيماء يحيى

بنت مصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!