في اليوم العالمي للمرأة .. شكرًا لكل ست لسه ما انتحرتش

كنت ناوية أكتب المرة دي موضوع هادي وسينتمنتال ومليء بالمشاعر المختلفة، إلا إن ده شيء أصبح صعب بعد أحداث اليومين اللي فاتوا.. انتهى اليوم العالمي بالمرأة بواقعة هتك عرض مارسها شخص تجاه طفلة بمنطقة المعادي “مجرم المعادي”، وخرجت علينا بلاعة السوشيال ميديا بالمبرراتية لأفعال أي ذكر، حتى أن أحدهم قال نصًا “البنت كانت رايحة معاه بمزاجها”

سخرية القدر:

يتبنون مشروع قانون للأحوال الشخصية يعامل النساء جمعيهن كفاقدات للأهلية، ولكنهم يصدقون ويؤمنون على أن طفلة كانت ذاهبة لتمارس علاقة بالتراضي مع شخص في سن جدها! .. لقد ضرب المنطق في مقتل.

في اليوم العالمي للمرأة .. أنا ححتفل بيا:

أنا أكره الورد .. أكره أن يقوم أحدهم بإهدائي وردًا .. أحب أن أقتني الزرع حيًا،  أكره الورد الذي يهدى ليكون مصيره الذبول والموت .. يعتقد الجميع أنني افتقد للرومانسية، فالورد من أفضل وأجمل الهدايا التي قد يعبر بها محب عن حبه، ولكني أكره الورد المقطوف .. ولأول مرة سأخبر العالم لماذا أكره الورد المقطوف.

كنت طفلة في العاشرة من العمر .. أسكن في حي هادئ جدًا .. لا يزعج حيَنا شيئًا سوى سباب العم قاسم العجوز حينما يزعجه أطفال الشارع كلما خرج من فيلته .. كان يجاور عمارتي فيلا كبيرة جدًا .. مليئة بكل أنواع الزهور .. حديقتها غاية في الجمال أطل عليها من شرفتي وأنبهر بألوانها .. كان للفيلا حارس .. كلما رآني أمر ابتسم وأعطاني وردة من حديقة الفيلا .. في البداية كنت أرفض أخذ الوردة، ثم لطبيعة الحي الهادئ الذي يمنحك إحساس الأمان أصبحت ابتسم واحتفظ بالوردة وأشكره، يتطور الأمر إلى أنه كلما أرسلتني أمي لأشتري شيئًا أجد حارس الفيلا يمشي ورائي حتى ذهابًا وعودة، لم أخف ولم أفهم ولم يكن عندي ما يجعلني آخذ رد فعل ما .. حتى يومًا ما طلب مني أن أدخل معه إلى حديقة الفيلا لأنتقي ما أشاء من الورود .. وحاول أن يجذبني إلى داخل الحديقة.. لن أنسى ثواني الرعب التي مرت علي وأنا أسحب يدي وأجري حتى وصلت إلى منزلنا، وحكيت وقتها لأخي الأكبر، وظل يراقبني لفترة كبيرة ليمنعه من محاولة محادثتي  .. بعدها اختفى ذلك الرجل من شارعنا تمامًا .. وعلى الرغم من أنني قد أكون أنقذت نفسي بتصرف فطري لم أعرف دوافعه وقتها .. إلا إنني أكتب لكم الآن وأنا في الرابعة والثلاثين من عمري .. ومازلت أرى عينا هذا الرجل بكوابيسي، وانتفض إن لامسني أي شخص على غفلة حتى وإن كانت أمي .. وأكره الورد

أنا لا اعتبر نفسي ناجية، فبعد أن كبرت وأصبحت مهمومة بقضايا النساء، عرفت جيدًا أن العلامة التي تركها على كفي وهو يحاول اقناعي بالدخول “هزار خفيف” .. وبالرغم من هذا، وبالرغم من أني لم أخض تجربة كالتي خاضتها طفلة المعادي، أو التجارب اللآتي يخوضها آلاف الأطفال والنساء يوميًا دون أن ندري عنهم شيئًا .. إلا أنني مازلت أذكر، ولا أستطيع أبدًا تخيل مدى حجم الصدمات التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال والنساء.

في اليوم العالمي للمرأة .. قام رجل بمحاولة اغتصاب طفلة ودافع عنه المجتمع، وفي كل يوم عادي للمرأة في مصر يتكرر نفس الفعل بعادية شديدة الرتابة.

في اليوم العالمي للمرأة … شكرًا لكل ست عايشة في مصر بتقف قدام دولابها ساعة تختار إية مناسب عشان تتجنب الأذى النفسي .. شكرًا لكل ست عايشة في مصر بتمشي في أي شارع وهي بتلف راسها 360 درجة زي البومة عشان تأمن الطريق حواليها وما تتاخدش على خوانة .. شكرًا لكل ست بتركب مواصلات الصبح وفي خمس ثواني بتحدد المكان المناسب اللي يحفظ لها قدر من مساحتها .. شكرًا لكل ست بتدخل شغلها وتستحمل عبء التحرش داخل أماكن العمل وتواجهه، وأخيرًا شكرا لكل ست عايشة طول الوقت في رعب وقلق وخوف وضغط عصبي ولسه قادرة تكون عضو فعال في المجتمع .. شكرًا لكل ست لسه ما انتحرتش.

لمياء محمود

لمياء محمود

قاصة وروائية وباحثة قانونية ومترجمة وكاتبة محتوى،صدر لي في 2009 مجموعة قصصية بعنوان في المقعد الخلفي، ونشر لي عدة مقالات في مجموعة من الإصدارات الورقية كاليوم الجديد ومجلة الثقافة الجديدة، وعدة مواقع كبن وبن ودانا والميزان ، معنية بالنوع الاجتماعي بشكل خاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!