فلنصدق الناجيات، أو لنصمت

انتشرت في الآونة الأخيرة أحد المدونات التي تقوم بنشر شهادات نقلا عن الفتيات اللآتي تعرضن للتحرش أو للاغتصاب، تقوم المدونة بنشر التفاصيل مع تجهيل هوية الضحية ونشر الحروف الأولية لمرتكب الجريمة.

في بداية الأمر تابعت تلك المدونة عن كثب، ولكني بالحقيقة لم استطع تمامًا أن استمر في متابعة تلك التفاصيل العنيفة، أصبح الأمر مرهقًا للغاية، فبعد قراءتي لكل واقعة يتم نشرها كنت ألجأ لحجرتي وسريري، وأصاب بحالة من الفزع من العالم تفقدني القدرة على التفاعل حتى مع المقربين.

العالم مفزع للغاية، الشارع وأماكن العمل والكافيهات وحتى مساحات الصداقة لم تعد آمنة للنساء بالمرة، فتوقفت عن متابعة المدونة لفترة لا بأس بها .. قد أكون تصرفت بقدر من الأنانية والتخاذل للحفاظ على ما تبقى من سلامي النفسي، ولكن .. ولأن العالم من حولنا أبشع من أن يسمح حتى للنساء بمحاولة الحفاظ على سلامهن النفسي من خلال تجنبه، وجدت نفسي محاصرة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بالتنظيرات المستمرة على ضحايا الانتهاكات اللآتي يقمن بحكي قصصهن بالمدونة .. بداية من المبررين والمطبلاتية بتوع لبس البنت وهي أصلا عايزة كده، انتهاءًا بالجملة الشهيرة “وهي إية اللي وداها هناك”، مرورًا بالكثير من النظريات التى تحاول تبرئة الجاني وإلقاء اللوم على الضحية.

وعليه انتابني شعور بأن العالم ربما فقد إنسانيته بالكامل وأصبح في حاجة لإعادة تعريف البديهيات.

الجريمة لا يمكن تسميتها بأي شيء آخر

الجريمة لا تصلح أن نطلق عليها سوى جريمة، أي محاولة للتملص من فعل إجرامي عنيف وإيجاد مبررات له، فمعنى ذلك أنك تحولت فورًا لشيء أدنى من الحيوانات .. فحتى الحيوانات تعرف حينما تخطئ.

فربما يجب على كل شخص أن يكف عن محاولة استدعاء المحلل الاستراتيجي بداخله، والتوقف عن تحليل أحداث لم يمر بها، ويرفع العبء النفسي عن الناجيات باحتفاظه برأيه الشخصي لنفسه.

لماذا نصدق الناجيات؟

انتشر سؤال أحمق على وسائل التواصل الاجتماعي، “هو أي حاجة حتتقال من واحدة ست حنصدقها وخلاص؟”، وللإجابة على هذا السؤال .. بالنسبة لي فنعم سأصدقها، لا لشيء إلا لأن جميعنا نعرف جيدًا ما الثمن الذي تدفعه كل سيدة أو فتاة تحيا بمجتمعنا يوميًا، وتحديدًا أي فتاة تقرر أن تصرح بأنه قد تم انتهاكها بأي شكل من الأشكال، عليها أن تتحمل التشهير والأذى النفسي لفترة لا بأس بها.. وبالتالي فأغلب الفتيات يلجأن للصمت، وعليه بمسألة منطقية بسيطة، وإعمالا للعقل، فبالتأكيد لن تقوم فتاة بخوض كل تلك المهازل دون سبب قوي.

لن أطلب منك أن تصدقهن معي، أو حتى أن تستخدم عقلك، فإن كنت لم تستخدمه منذ البداية فلا حاجة بي أبدًا لأن أشير إليه لأخبرك أنه موجود ويمكنك استخدامه.

ما هو الاغتصاب؟

الاغتصاب هو جريمة، الاغتصاب هو أن تسلب أحدهم حقه في الاختيار، وأن تسلب من أحدهم حقه في الاختيار معناه أنك تسلب معه جزء لا يستهان به من أساس وجوده كإنسان، ففي محاولة مني لفض الجدل وإنهاء نقاشات لابد لها أن تنتهي:

  • أي علاقة لا تتم بالتراضي بين الطرفين هي اغتصاب.
  • أي محاولات لاستغلال الذكر لنقاط ضعف الفتاة النفسية رغبة في الوصول إلى ممارسة علاقة جنسية تعد اغتصاب، فبعض الرجال يستغلون الفتيات الأصغر سنًا واللآتي يعانين من عقدة أبوة ما لاستدراجها في الدخول إلى علاقة سامة، في هذه الحالة العلاقة لم تكن علاقة بالتراضي بل كانت شكلا خفيًا من أشكال الاغتصاب حيث يقوم شخص أقوى بالضغط على الشخص الأضعف.
  • أي لحظة يستشعر فيها الرجل أنه مع فتاة لم تحسم قرارها تمامًا تجاه تلك العلاقة ولم يتوقف وتجاهل تماما ذلك يعد اغتصاب، وبالأساس كيف يقبل رجلا أو إنسانًا على نفسه أن يكون في هذه المساحة من القرب من شخص ليس متأكدًا من رغبته، فحتى ذكور الحيوانات تبذل جهدا للتأكد من استمالتها التامة للإناث
  • أن تخبر فتاة بأنك تحبها لمجرد الوصول لهدف جنسي هو اغتصاب، في هذه اللحظة أنت تضع فرضية على أساسها قد تختار الفتاة التواجد معك، غياب هذه الفرضية وممارستك للخداع للوصول إلى هدف جنسي بحت ما هو إلا شكلا آخر من أشكال سلب حرية الاختيار، هي اختارت على فرضية غير موجودة بالأساس، مما يخل بأي اتفاق.

قد أكون عدائية قليلا، أو محبكاها شويتين، ولكن بالنهاية فأنا أعرف أن أغلب الفتيات اللآتي سوف يقرأن ما اكتبه الآن يعرفن جيدًا شعور الانتهاك، فلا حاجة لي لأن أشرح لهن أسباب تلك العدائية، وأما إن كنت من هؤلاء من يعتقدون أنهم يملكون العالم لأنه كتب بأحد خانات البطاقة “ذكر”، قد تلقي بكل ما قلته خلف ظهرك تمامًا، ولكن أرجوك (فلتصدق الناجيات، أو لتصمت) العالم ليس بحاجة إلى مزيد من التنظير منك وأنت تجلس الساعة 3 فجرًا مع مجموعة مع أصدقائك في بولة استميشن، خاصة وأن بإمكانك أن تعود إلى منزلك سيرًا حتى دون أن تنتفض كل لحظة أو تراقب الطريق أو تترك مسافات بينك وبين الآخرين ودون إحساس دائم بالخوف، ولن يلومك أحدهم إن تعرضت للسرقة الآن، سيصبح بإمكانك أن تذهب لأقرب قسم شرطة لتقوم بعمل محضر ضد من تعرض لك.. ولذلك وأنت تملك كل تلك الصلاحيات ارجوك للمرة الثانية أن تصدق الناجيات،أو لتصمت.

لمياء محمود

لمياء محمود

قاصة وروائية وباحثة قانونية ومترجمة وكاتبة محتوى،صدر لي في 2009 مجموعة قصصية بعنوان في المقعد الخلفي، ونشر لي عدة مقالات في مجموعة من الإصدارات الورقية كاليوم الجديد ومجلة الثقافة الجديدة، وعدة مواقع كبن وبن ودانا والميزان ، معنية بالنوع الاجتماعي بشكل خاص

One thought on “فلنصدق الناجيات، أو لنصمت

  • Avatar
    2021-03-01 at 10:15 ص
    Permalink

    حقيقه وواقع مجتمع يقال انه متدين بطبعه ولا يعرف من ثوابت الدين الا القشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!