فرضية هى !

بقلم: د.إيمان زهران

برغم كل التضحيات النسوية التى قدمتها النساء بكل قوة وصلابة منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا لكى يصبح العالم مكانا أفضل “لهن”عما كان عليه من قبل، وبرغم ما حققته المرأة من إنجازات عظيمة في مختلف أنحاء العالم خلال القرن الماضى، وهو ما انعكس على ارتفاع عدد النساء اللآتي يحصلن على التعليم العالي، ومع ارتفاع درجات تأهيل المرأة، زادت أيضًا فرصها في الحصول على فرص عمل أفضل، وأصبحت كثير من الأسر أكثر قدرة على توفير مستقبل أكثر إتزانًا وأمانًا لبناتهن.

إلا أنه بالمقابل، لازال هناك ما يؤرق المرأة فى إثبات فرضيتها الخاصة، إذ لايزال هناك من النساء من يجدن صعوبة في الحصول على التعليم أو الرعاية الصحية أو المكانة، وهناك أخريات يقاتلن من أجل وظائف معينة، وآخريات من أجل أجور أفضل. كذلك تواجه المرأة مخاطر حقيقية تهدد سلامتها، بما في ذلك خطر العنف الأسري، أو الاعتداء الجنسي ..إلخ.

 فبرغم كوننا نشكل نصف المجتمع إلا أن الرجل في مجتمعات كثيرة لازال هو من يسيطر على مجريات الأمور بطريقة تكاد تهمش أدوار المرأة فى كثير من المجالات.

تعزيز المواطنة: 

تتسم الحركة النسوية بأنها حركة شديدة التعقيد والتباين والتنوع من الداخل، ويخطئ من يجمع النسويات كلهن في سلة واحدة، لكن القاسم المشترك في كافة التيارات، وموجات النسوية الثلاث القناعة بأن المرأة تحتل – ظلمًا- مكانه أدنى من تلك التي يحتلها الرجل فى كافة المجتمعات.

أي أن المكانة الجديرة بالمرأة هي “الغاية” التي تعلن النسويات أنها تسعى لتحقيقها. وليس بخافٍ على أحد أن ذات “الغاية” صارت هي السلاح الذي يتم إشهاره في وجه كل من يقف أمام الفكر النسوي، فمن ذا الذي يرفض رفاهة المرأة وتبوءها المكانة التي تستحقها؟ بل تعاظم الأمر على نحو أن صارت المكانة هي الاستراتيجية التي يتم بها ما يُعرف بـ “تطويع المهاجمين”، ومواجهه صراعاتهم، مقابل التنازل عن بعض الثوابت والأخذ بقوالب جاهزة تُحقق المكانة التى ترنو إليها الحركة النسوية.

وإنطلاقًا من فكرة “المكانة” وتعزيز الغاية النسوية” تأتى الأدوار المتعددة للنساء في الحياة ومجالات العمل المختلفة الرامية لتعزيز فكرة المواطنة التي تلغي الفروق القائمة على النوع أو العرق أو الديانة أو الموقع الجغرافي.

لذا، تأتى هنا “الفرضية النسوية” بمعناها الشامل والرافض التخلى عن مبدأ المطالبة بالمساواة كحق مدني وكإحدى أهم دعائم المواطنة، لتستمر فرضياتها فى اختبار نضالها من أجل المساواة الكاملة مهما نجحت المرأة في الحصول على “بعض” من حقوقها، أو ناضلت لوضع هذه الحقوق والحريات موضع التنفيذ.

ماذا عن مجتمعنا؟

يحظى كل مجتمع بخصوصيتة وطابعة إلخ.. استنادًا إلى عدد من المحددات، منها العادات والتقاليد والإرث المشترك وكذلك الصبغة الدينية والتعاليم الروحانية، فبالنظر للمجتمعات العربية دائمًا ما تُصاحب “الفرضية النسوية” عدد من التساؤلات تضعها باستراتيجيها الخاصة بتعزيز “الغاية/ المكانة”،إذ أن أهم تلك التساؤلات ما يمكن اختصاره فى: هل ستحظى النساء بنفس فرص الرجال الذين نشأوا معهن اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا؟

قد نختصر الإجابة على التساؤل السابق بإحدى الأبيات للشاعر أحمد شوقى “وما نـيل الـمـطـالب بالتمنـي .. ولـكـن تــؤخـذ الـدنـيا غلابـا”، إذ عمدت العديد من المجتمعات العربية على تزيف وعى المرأة وذلك بالدفع بنظرية “تقاسم الأدوار”، إذ تم اختصار أدوار المرأة بالأدوار البيولوجية فقط ، وهو “إعـادة إنتاج الـعنصر البشـري”، أي الحمل والإنجاب، فتقنع بالمجال الخاص فقط “الأسرة”، بدعوى أنها مؤهلة له، ولأنه يتفق مع تكوينها البيولوجي دون أى مقابل “مادى/ نقدى”، فى حين ينطلق الرجل للعمل في المجال العام “الخارج” بما يضمن له السيطرة عليها، عن طريق التحكم في الموارد الاقتصادية ليحظى “هو” بمكانة عالية. وهو ما ينتهى بـ “هن” إلى ما يُعرف بـ “تأنيث الفقر، حيث يرجع تنامى معدلات وصور الفقر فى النساء أكثر من الرجال لإنحصار أدوار المرأة على البيت ورعاية أسرتها “المجال الخاص” بدون مقابل نقدى، حيث استنزاف كل وقتها دون وجود أى فرصة للخروج إلى سوق العمل. وحتى من تخرج منهن للعمل تحظى بمزيد من التعقيدات فضلا عن العديد من التضيقات والتحديات التى تواجهن فى بيئة العمل.

الفرضية النسوية تفترض المساواة حد التنوع فى الأدوار، إذ لن تستقيم أوضاع المرأة وفقًا لاعتبارات المواطنة إلا بإحداث سيولة في الأدوار، فلا وجود لما يسمى بأسس فسيولوجية ثابتة تحتم توزيع الأدوار تبعًا لها، فالتمايز والتباين والتقييم الهرمي لكل من الأدوار الثلاثية: “الإنجابي، والإنتاجي، والمجتمعي القيادي” – للمرأة والرجل – لا يستند إلى أساس فسيولوجي ثابت، وعليه يمكن تعديل وتغيير أدوار النوع الاجتماعي، وسد الفجوة في التمييز بين المرأة والرجل في المكانة الاجتماعية والاقتصادية وكذلك السياسية، بما يرسخ لتعزيز قيم المواطنة وفقًا للفرضيات النسوية للتيار الثالث فيما بعد الحداثة.

إيمان زهران

إيمان زهران

متخصص فى العلاقات الدولية وقضايا الأمن الإقليمي، تعمل فى السلك التجارى ووزارة التجارة والصناعة، ومدرس من الخارج للعلوم السياسية بجامعة 6 أكتوبر بالقاهرة وعدد من الجامعات والأكاديميات الخاصة، وجامعة الزيتونة بالمملكة الاردنية الهاشمية، ومشرف أكاديمي لعدد من البرامج وورش العمل التدريبية فى كل من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وسفارات الدنمارك والسويد وأسبانيا فى القاهرة ، وعضو لجنة العلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة، وتتعاون مع عدد من المراكز البحثية ومراكز الفكر المصرية والاقليمة والدولية، لديها عدد من المؤلفات الأكاديمية فى مجال العلاقات الدولية وقضايا الأمن الإقليمى، أخرها كتاب بعنوان "التغيرات المناخية والصراع الإقليمى للمياه في الشرق الأوسط" ، وأخر بعنوان : "المحدد المائي کآلية للصراع في المشرق العربي"، بالإضافة إلى العديد من الدراسات الأكاديمية المُحكمة المنشورة بالدوريات المصرية والإقليمية والدولية>

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!