غادة خليفة تغزل من الألم نسيجًا يستيقظ.

الملف إعداد وحوار: دعاء فتوح

       بيتها له سقف عال، ككل بيوت وسط  القاهرة القديمة، تدخل وأنت محمل بصهد درجات الحرارة المرتفعة، وأتربة وعرق الشوارع، فتجد مع ابتسامتها الصاخبة موجة لهواء منعش ينطلق بحرية من شبابيك البيت المفتوحة مثلها على الحياة، فتشعر في ثوان معدودة بالراحة والاطمئنان، عندما حاورناها، وجدنا أن الدفء لا يملك مسافة للاختباء بين ما تكتبه وترسمه وما تحياه، لذا تعيش غادة خليفة محاطة بهذا الدفء المعلن، فقررت (داما) أن تبتعد عن المعتاد، للغوص في روح غادة العذبة المنسابة بين الكلمات، ولأنك ستجد نفسك في حضرة الجمال، فعليك أن تجلس لتتأمل التفاصيل…

على مدونتك (ست الحُسن) داخل مربع من أنا، سيرتك الذاتية المختصرة  جاء بها: “لما كانوا الناس بيسألوني وأنا صغيرة عايزة تطلعي إيه لما تكبري كنت بسكت. مقدرش أقول لحد عايزة أطلع رقاصة”

_ما هو وجه الشبه بين الرقص والكتابة، ولماذا لم تتمكني من تحقيق هذا الحلم، ومن هي غادة  التي لا يعرفها أحد؟

حينما كنت صغيرة كانت الأفلام هي كل حياتي، كل ما أعرفه عن العالم يحدث داخل شاشة التلفزيون، في بيت يعتبرُ الرقص جريمة أحببتُ أن أكون راقصة.(تحية كاريوكا) كانت بطلة الأفلام الأقرب إلى روحي، لم أكن أتناغم مع الفتاة الهادئة اللطيفة التي تمثلها (فاتن حمامة)، وكل البطلات اللاتي يشبهنها.

الأفلام التي منحتني السعادة في الطفولة هي ذاتها التي خرَّبت حياتي فيما بعد، أختي مازالت تخبرني أن الحياة لا تشبه السينما، وأن ساعتين من الأحداث المعقدة لا يمكن لها أن تشبه أي علاقة حقيقية ممتلئة بتفاصيل تتغير مع الوقت.

الفن يختصر تجارب وحيوات كاملة ويكثف البهجة والألم معًا.

في بيتٍ يُعلمني أن جسدي هو مصدر تعاستي كان عليّ أن أختار الرقص الذي سيحول جسدي إلى موسيقى.

كنت أحب أن أصبح راقصة، ربما طفلة ما داخلي أدركت أن الرقص هو باب الحرية.

للأسف أنا ابنة أمي وليس بإمكاني أن أغسل روحي من كل ما تربيتُ عليه، مع ذلك كسَّرتُ الحياة التي يطلبون مني صناعتها، ومشيتُ باتجاه أحلامي… ربما لا تصدقين لكنني كنت أرقص في أحد الأفلام التسجيلية للمخرجة والممثلة الصديقة دنيا ماهر.

في ديوان تسكب جمالها دون طائل تقولين: “أفكر أن السقف سيقع علينا/ والأوراق كلها ستغرق/ حياتي ستضيع../ تضيع الآن/ بينما أكتب..”

_هل توجد مسافة بين حياة غادة اليومية وبين حياتها التي تنساب فوق الأوراق على شكل كلمات أو لوحات، وأيهما يزيف الأخر؟

الحياة العادية هي بكرة الخيط والشعر هو النسيج وكلاهما مزيفان، الحقيقة تحدث داخل خيالي فقط.

حينما كنت أقابل أصدقاءً يقرءون (ست الحسن) ويظنون أنهم سيقابلونها، كنت أخبرهم أنني لا أشبهها على الإطلاق، ليس بإمكانكم أن تجدوا هذه المرأة في الحقيقة.

وبينما تظهر في الكتابة غادة حالمة ورقيقة، تعيش في الواقع غادة أخرى برّية وجادة.

الكتابة تجعلني أجرّبُ أقنعة متنوعة، وأكون امرأة جديدة كل يوم كما يقول إعلان الصابون.

_ينعكس كثيرا في شعرك تعارض حقيقي ملموس بين حياتك الخاصة كبنت تريد حياة عادية في كنف زوج وأطفال، وبين كونك مبدعة، ما هو ذلك التعارض وفق تجاربك الخاصة؟

الحياة العادية لا تناسبني حتى وإن كنت أريدها، أنا محددة جدًا وأريد مشاركة من نوع خاص، أعيش في بلد يقسِّم أدوار الحياة بين الرجل والمرأة بطريقة لا ترضيني، أرفض القيام بالدور المحدد مسبقًا واحتاج إلى براح خاص.  
لم أقابل حبيبًا يستطيع التناغم معي، النهاية السعيدة على طريقة الأفلام لم تحدث لي، بدلًا منها، أعيش احتمالات مبهجة وأعثر على الحب بطريقتي من أبواب مختلفة.

“لا أحد يصدق قدرته على إيلام الآخرين/ هذا الخذلان يحتاج قلب سليم”
متى خذلت غادة العادية غادة الشاعرة، ومتى خذلت غادة الشاعرة غادة الفنانة التشكيلية؟

المسافة بين (الغادات) ليست دائمًا واضحة، الحياة تخذلنا جميعًا وليست لدينا رفاهية خذلان أنفسنا أيضًا.

Spread the love
داما

داما

التاء المربوطة في أبجدية بكرة

One thought on “غادة خليفة تغزل من الألم نسيجًا يستيقظ.

  • ساره عبدالوهاب
    2020-05-25 at 9:15 م
    Permalink

    استمتعت بكل كلمة فعلا . فى انتظار الجديد دايما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!