عفوًا أيها البحر..

       هب الصيف فجأةً برياحه الحارة، فحملت حقائبى وذهبت إلى الإسكندرية حيث نسمات الهواء المعتدلة، واشتياقى لملامسة البحر وأمواجه الحنونة المنخفضة والغوص داخله مما يحدث نوعًا من الانتعاش والصفاء الروحى، وتركت حقائبى فى غرفة الفندق مسرعة إلى الشاطئ وبمجرد وصولى، رأيت القائمين على خدمة الشاطئ يرفعون اللافتات والأعلام السوداء والتى تنذر بإرتفاع الأمواج وشدتها، وتحذر من نزول البحر.

    فجلست على الرمال أنظر إلى البحر بكل حزن، ورأيت من هم بالشاطئ يحملون “كراسيهم والشماسى وأطباق من المحاشى والكشرى ” ويغادرون الشاطئ ، وكأن البحر قد افتعل هذا بعد أن رأى هذا الكم من العجائب والطرائف، وتخيلته يقول منفعلا: “فى كل صيف يزدحم الناس على الشواطئ؛ من أجل قضاء أجازتهم الصيفية، وأنا انتظر مجئيهم إلي، ولكن بسبب تصرفاتهم الخاطئة يجعلوننى أحول أمواجى الهادئة لوحش كاسر يهاجمهم، بل قد أرسل إليهم”قناديل البحر” لتقدم لهم وجبة دسمة ومليئة باللسعات حتى يتجنبونى….

     ويبكى قائلا:”يقولون البحر غدار، فما ذنبى فى غرق شخص لا يستطيع العوم أو تعدى خطوط الأمان مع غياب فرق الإنقاذ، فى أن يصفونى بالغدر والخيانة”!…

وافقت أن يضعوا داخلى حواجز صناعية لكسر الأمواج، وما زالوا يسبوننى …

أعطيتهم كافة أنواع الأسماك ولم يعطونى سوى أشواكها…

أوافق أن يأتون إلي حاملين مأكولاتهم المختلفة ويقومون بترك مخلفاتهم على جانبى  دون أن يضعوها فى المكان المخصص لها…

   لم أتحدث عن هذا الكم من الإفيهات السخيفه من أشكال “مش هتنزل الميه.. لأ يا عم الشراب يتبّل”، أو”القرش الأبيض بيعوم فى البحر الأحمر”.

أتحمل كافة المشاحنات والمشاجرات التى تتم على الشاطئ من قبل أصحاب الكافتريات الذين جعلوا أنفسهم أوصياء عليّ

لقد أصبحت الهمجية هى ما تسيطر على الإنسان، واختلط الحابل بالنابل، وأصبح الجميع يفعل ما يشاء دون رقيب، أو مراعاة لمعايير التقدم والازدهار…

هل هذا يحدث لأننى أصريت على أن أكون شاطئ بالمجان يدخل إليه كل من يريد …

أنا أبكى اليوم وأرفض أن يأتى إلى أى شخص،لأننى أشتاق بالفعل للمصيفين الذين كانوا يأتون إلى ليغازلون شواطئ ويستعيدون ذكرياتهم القديمة على ترابى الزعفرانى …

  فنظرت إليه متأثره ببكائه أتسائل ما كل هذا العنف الذى يفعله المصيفيين معه، ولم أجد ما أقوله سوى بعض الكلمات: أتتحمل كل هذه الإهانات، ونحن نعتقد أنك لا تشعر ولا تحس، أتسمح لى أن أتقدم بواجب اعتذار بالنيابة عن الآخرين، ووجدتنى أحمل حقائبى وأرحل، حاملة معى الحزن واليأس على ما أصاب البحر.

فاطمة الحسيني

فاطمة الحسيني

صحفية ومحرره كتبت في العديد من الصحف والمجلات المختلفة،إلي أن أصبحت كاتبة محتوى في عدد من المواقع الالكترونية. تحب الكتابة باعتبارها المتنفس للتعبير عن كل ما نشعر به

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!