عزة عاطف..(مصغّراتية) الأكل المصري!

عزة عاطف شابة اسكندرانية ثلاثينية، أم لثلاثة أطفال، تخرجت مِن كُلية التجارة جامعة الإسكندرية، شُغفت مِن قرابة الثلاث سنوات بتشكيل المُصغرات بالصلصال الحراري، وبرعت في تشكيل الأكل المصري الشعبي بأحجام صغيرة جِدًا مُتقنة الصُنع، يظن الرائي لها من الوهلة الأولى أنها حقيقية، لكن تكون المُفاجأة أنها ليست كذلك، وماهي إلا مُصغّر مطبوخ ببراعة بالصلصال الحراري.

الصلصال الحراري كما أخبرتنا عزة: “هو شبيه بالصلصال العادي الذي يستخدمه الأطفال، ولكنه أقسى قليلًا يحتاج وقت أكبر لتطريته، كما أنه يدخل الفرن على أكثر مِن مرحلة على درجة حرارة مُعينة، ولمُدة مُعينة، على حسب حجم المُجسم الذي تقوم على صُنعه، ويخرج مثل البلاستيك“.

أما فن المنمنمات (المصغرات) هو فن تشكيلي يقوم على نقل وتنفيذ وتجسيد الواقع بطريقة مُصغرة، ويُقال أن هذا الفن ظهر في الحضارات الأولى عند السومريين، والفراعنة، ولمع نجمه في القرن الثامن عشر.

تقول عاطف: “هو فن مُنتشر في الصين، واليابان، وروسيا، ولكنه غير مُنتشر في مصر، بدأ في الآونة الأخيرة بالتعريف عن نفسه، حيث ظهر لهذا الفن فنانين لمعوا فيه، وبدأ المصريون بالاهتمام قليلًا به، لدرجة أن الصلصال نفسه لم يكن موجودًا، وعانيت بسبب ذلك في بداياتي، فأنا لم أكن أستطيع الحصول بسهولة على هذا الصلصال، ولكن الآن أصبح متوفرًا، وأصبح يُباع Online“.

تُضيف عزة أن هذا الفن ليس سهلًا بالمرة، كُل تفصيله صغيرة فيه (مُرعبة) على حد تعبيرها، لأنه عِندما تقوم بتصوير المُجسم لعرضه على الناس تحتاج لأن تُقرب الكاميرا بشكل كبيرٍ، وأي خطأ صغير في المُصغر وإن كان بصمة إصبع سيقوم على تخريب كُل شيء، ويجعله يظهر بمظهر غير طبيعي، تقول: “إن أردتُ أن أقترب مِن الواقعية، فالواجب عليَ أن أهتم بكل تفصيله، الصغيرة قبل الكبيرة“.



رغبة .. ثم إبداع ..

((رُبما مِن رحم المسؤوليات، والضغوطات يولد الإبداع))

هذا ما حدث مع عزة حيث تحكي لنا عن بدايتها فتقول: “مِن قرابة الثلاث سنوات، كنت أمر بفترة مِن ضغوطات الحياة، الأطفال، وعمل المنزل، والملل، وغيرهم، ولحبي للرسم والفنون، ولرغبتي في أن أُخْرِج طاقتي في شيء أحبه، قررت شراء صلصال حراري، واللعب به على أنغام موسيقى عُمر خيرت، بعد نوم أطفالي.

اُعجب من حولي بما أنتجت، واقترحوا علي أن أحول هذا الفن لعمل تُجاري، أنشأت صفحتي الخاصة لعرض أعمالي(StoyCrafts)، وبداياتي كانت مع ميداليات بالصلصال الحراري مُجمع بها عدد مِن المُصغرات، نجحت بشكل كبير، لكن أنا لم أجد نفسي في ذلك ولم أكن سعيدة،بسبب ضغوطات الطلبات وكثرتها، خصوصًا أن غرضي كان إسعاد نفسي أولًا”.

أثناء عملها على الميداليات اكتشفت ولعها بالعمل على مُصغرات الطعام، ووجدت طريق سعادتها، وإبداعها. و قررت أنها لن تعمل تحت ضغط، ولن تعمل على أمرٍ لا يُسعدها، فهي كما تقول عن نفسها أنها مزاجية، والقطعة التي تقوم بصنعها لا تكون سعيدة في معاودة تنفيذها، فهذا يُشعرها بالملل ولذلك أوقفت العمل التجاري.

الميداليات

توقفت عزة عن صنع الميداليات، وشرعت في صُنع مُصغرات الأكل المصري الشعبي مثل المكرونة بالبشاميل، والكبدة الإسكندراني، والفول والفلافل، والمحاشي، وغيرها، وبدأت في نشرها على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي (Facebook)، وحصدت مُصغراتها تلك الكثير مِن إعجاب المُقربين والمُتابعين.

وبمجرد رؤيتها لردود الفعل الإيجابية مِن مُتابعيها على ما شكّلت، يكون هذا كفيل بإسعادها هي ومن حولها.

الجدير بالذكر أنها تعلمت كُل ما يخص هذا الفن وتفاصيله الدقيقة بنفسها، مما أخذ مِنها مجهودًا كبيرًا، خصوصًا لشُحّ المصادر التعليمية، كما أنها مازالت تتعلم الكثير مِن المهارات، وتُضيف تفاصيل لم تكن تُضيفها في السابق أثناء إخراجها للمشروع. ورغم ذلك فإنها لاقت الدعم والتشجيع من الزوج، والوالدين، والأخوة.

في بادئ الأمر كان المشروع يأخذ مِنها قُرابة الخمسة أيام، حتى يظهر للنور، لكن اختلف الموضوع الآن لزيادة التفاصيل حول الوجبة، بخامات مختلفة كالخشب والمعدن، وتكنيكات مُعينة تُظهر المشروع بشكل مُتكامل، بالإضافة لوجود طفل جديد (محمد) في حياتها، وفي الأربعة أشهر الأُوَل من عمره، حيث يحتاج إلى عناية أكثر، وهذا ما يجعل المشروع يأخذ قُرابة الشهر حتى يكتمل.

مُصغرات الطعام التي شكلتها، والأحب إليها..

شكّلت عزة أكثر مِن عشرين أكلة شعبية مصرية، أولها كانت المكرونة بالبشاميل، والكبدة الإسكندراني، اللذان أبهرت بهما كُل من يراها في ظنٍ مِنهم أنها حقيقية.

بالإضافة إلى قيامها بتشكيل بعض المأكولات في موسمها كشم النسيم مثلًا: (الفسيخ، والرنجة، والسردين)، وأول يوم في شهر رمضان (البط بالبرتقال، ورقاق اللحمة المفرومة) أقرب أعمالها لقلبها، والعيد (الكحك، والبسكوت، والترمس، والفول والحلبة)، وغير ذلك من الأكلات المصرية المعروفة مثل: (طاجن البامية باللحمة الضاني، والأرز بالشعرية، والفطير المشلتت، والمحشي)…

أكثر ما أحبت عزة تشكيله كما أخبرتنا: (الفخدةالضاني) بالرز والمكسرات، والحمام المحشي، وأكل المسامط أبهر الناس، بالإضافة للحوم المشوية، والـ(Seafood) و(الكشري) الذي كان من أوائل ما صنعت ولكنه مازال عزيزًا على قلبها، أيضًا (كحك العيد) والأطباق المُصاحبة له، والذي كانت أحجامهم متناهية في الصغر فمثلًا 3من حبات الترمس مُجتمعة في حجم رأس دبوس، حيث أجمع الكثير على إتقان إخراجه رغم صعوبة تنفيذه. 

الأطفال.. ودعمها لهم

حدثتنا عاطف عن طفلتيها صبا ٦سنوات وتيا ٤ سنوات، حيث تقول أنهما فنانتين، فهما أيضًا محبتان للفن (الرسم، والتشكيل بالصلصال)، تحكي لنا عزة أنها في بادئ الأمر كانت تنتظر  نومهما في المساء وتمارس هواياتها، لكن عندما كبرتا، وأحبتا هذا الفن، أصبحا يجلسا بجوارها ويلعبون بصلصال آمن عليهم، والذي لا يحتاج إلى فرن وإنما يجف من الهواء. وقد شكلتا الكثير من المُصغرات التي أبهرت والدتهم شخصيًا.

تقول عزة: “بناتي ألهمْنَنِي أن أركز أكثر مع الأطفال، خصوصًا بعد رؤيتي لتشكيلاتهم الرائعة، وفي نفس الوقت كانت هُناك أمهات ترسل لي أعمال اطفالها مِن المُصغرات، ذلك حفزني أن أقوم  كُل فترة بإنشاء مسابقة للأطفال، أو أخصص منشور لدعمهم، ولاقت هذه الفكرة الكثير من تفاعل الأطفال على صفحتي الخاصة“.

تشعر عاطف أنها مُمتنة لله كثيرًا أنه منحها هذه الموهبة، وجعل إنتاجها يحظى بإعجاب الكثير كما أنها تتمنى أن فن مُصغرات الأكل المصري يُعرف أكثر للناس، وأن تصل مُصغراتها لمرحلة تكون أقرب للحقيقية بنسبة 100%، وأن تقوم بتعليم الأطفال هذا الفن حتى يخرج جيل جديد يعرفه، ويمارسه.

سمية حسين

سمية حسين

بكالوريوس علوم إدارية كُلية الاقتصاد والإدارة جامعة الملك عبدالعزيز، مدونة وكاتبة ومحررة في عدد مِن المواقع والصحف والمجلات، ومعدة برنامج سابقًا. الصحافة شغف، والكتابة مُتنفس، والقراءة هي الأوكسجين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!