عاليا..

         ابنتي، بميلادك يبدأ تقويمي، تتغيرالبدايات وتختلف النهايات، كل هذا وأكثر حدث بالفعل بعدك يا عاليا، فراغ كبير ملئتيه أنتِ، لا أعلم كيف عشت كل هذه السنوات وهذا الفراغ داخلي ، ولا أعرف كيف كنت سأعيش بدون هذه الضحكة الجميلة.

بدلت تضاريس حياتي، وغيرتي خريطتي، أحلامي وطموحاتي توقفت، واستبدلتها بكل ما يخصك أنتِ، حصار من المشاعر الجديدة، ومزيج من الحب والخوف، الحيرة والقلق.

أحببتك دومًا، دون حتى أن أراكي، وتمنيت لك السلامة في كل وقت، حتى لو على حساب راحتي، وجودك ينسيني حزني، واكتئابي بعد ولادتك، ماكان إلا شفقة عليكِ من البكاء، فلم أكن أجيد التعامل مع هذا الكائن الصغير، فأعنف نفسي، تتمسكين بي بأصابعك الرقيقة، وكأنك تتحدثين إليّ بصمت، لا تتركينني، لا أعرف في هذه الدنيا سواكِ، فتدمع عيناي. حبيبتي، أميرتي أنتِ، ولا أميرات بعدك، عمرك شهور قليلة وأحلم بكِ عروسًا، “سندريلا” تجد من يحبها وتحبه،  أرسم لكِ طريقًا في خيالي، واتمني لكِ أن تحققي كل أحلامك، ” دكتورة عاليا وإلا “البشمهندسة” يداعبك والدك، ولكني أقاطعه، ما تحبه هو ما سيكون، ما تحلم به سنساعدها على تحقيقه،  لن نكون آباء ديكتاتوريين، هكذا اتمني أن أكون، وهكذا أحلم أن أربيكِ.

يؤرقني التفكير دائمًا، وتحاصرني الأسئلة، هل ستحبينني كما أحبك؟ هل تعلمين مدى اشتياقي لكِ؟ هل سأحسن تربيتك وسأكون أم صالحة؟  أم سأفشل في مهمتي؟ هل سأعيش حتى أربيكِ كما اتمني؟  هل سأراكِ تشبين وتشب معك أحلامك؟ أم أن القدر سيكون له رأي آخر؟

 إغفري لي أنانيتي، فأنا حلمت دائمًا  أن أنجب ابنة، فقط لتكون أختي وصديقتي وحبيبتي،  ولكنني غيرته بعد تفكير عميق، وما ذنبك لتعيشن في مجتمع معوق؟ ربي لا أريد ابنة، يا رب ارزقني ولد، ولد ليستطيع أن يحمي نفسه، لا تتحرش به الأعين، عندما يمشي في الشارع، ولا تمتد إليه أيادي الذئاب إذا اضطر أن يمشي وحده ليلا، يستطيع أن يحلم كما يشاء دون قيود، أن يتنفس دون أن تعد عليه الأنفس، أن يعيش دون أن يوصم بعار كونه أنثي للأسف.

مجتمع يتعامل بكل ازدواجية، يعطي حقوقًا للذكر على حساب الأنثي، دائمًا أنتِ متهمة، حتى دون محاكمات عادلة،  فجريمتك لا تغتفر، جريمتك أنك أنثى. 

أتمني أن تصبحي “عاليا” في أخلاقك، في طموحاتك، في تعاملاتك، أن تظلي عالية في مجتمع ” منحدر” للأسف.

حبيبتي  أحبك حد  الجنون وأخاف عليكِ حد الموت.

Spread the love
إيمان عبدالرحمن

إيمان عبدالرحمن

صحفية بمجلة حواء تخرجت من قسم الاعلام كلية الاداب جامعة عين شمس عام 2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!