صفحة من كتاب العمر

‏هل نحن قادرون على التأقلم والنسيان بمجرد مرور الوقت، هل ننسى الحياة التى نعيشها بمجرد وجود حياة جديدة تمحو القديمة، هل هجران الحبيب يعوضه حبيبًا آخر، هل ننسي لحظات الحب التي شعرنا بها وغمرتنا وكأننا وجدنا حب حياتنا، هل لحظات التضحية التي شعرنا بها يمكن أن تنسى، أم نحن قادرين على الدخول فى حالة من الفقدان الظاهري، وهل إصرارنا على اهمال الأشياء والحياة القديمة  هى من تجعلها تتعمد أن تنسانا هى الآخرى، ولا تعود لتذكرنا مرة أخرى، وكم نحتاج من الوقت حتى نمسح ما تحتويه عقولنا من أشياء عن الماضى، كم يلزمنا من الوقت لمحو ذاكرتنا وتحويلها إلى صفحة بيضاء نملئها بحياة أخرى.

فالنسيان هو قلب لصفحة من كتاب العمر، فمن منا لا يطرق باب النسيان متعمدًا لكى يدفن أحزان وذكريات مؤلمة قد مر بها، فبعضنا يبكى لكى ينسى، وهناك من يأخذ من الضحك دواءً للنسيان، وآخر يصمت لكى ينسى، وهناك من يعرض نفسه للأذى والانتحار لينسى.

أرى أن الذاكرة والنسيان وجهان لعملة واحدة ألا وهى العمر، فالذاكرة هى سلاحنا على العيش والعمل، وفى المقابل فإن النسيان هو سلاحنا الذى يحمينا من ما يؤلمنا ويترك آثاره السلبية على حياتنا، ولكن هناك من يظل يعانى من عدم نسيان ذكرى ما، ويهرب من جميع ما يتعلق بها من أشخاص وأماكن وأشياء أخرى حتى يستطيع النجاة من طوق النسيان، ولكن كل هذا دون جدوى ويظل شبح المعاناه فى نسيان ما يريده يواجهه اينما كان وفى أى وقت، حتى يفقد حياته ويظل فى دائرة غير مفرغه من الألم والمعاناه النفسية والجسدية.

نعم النسيان نعمه وليس نقمه، نحتاجه جميعًا كى نستطيع الحياة دون ألم، فهو راحة ذهنية تخفف عنا همومنا وضغوطنا الفكرية، هو من يجعلنا نبدأ من جديد، وخاصة لو أن ما ننساه ينسانا، فلو لم يكن النسيان نعمه لما استطاع معظمنا من تخطى بوابة الأحزان والخيبات والجروح النفسية، التى تمزق قلوبنا مرارًا وتكرارًا، ولم نكن لنستطع أن نغفر ونسامح من أخطأوا فى حقوقنا يومًا ما، فهو العلاج الوحيد القادر على الطبطبه على القلوب والنفس المنكسرة والحزينة، وحقًا نرى جميعًا أن الوقت هو دواء النسيان، لأن لولاه لمات الكثير من جنون ذاكرتهم الممتلئه بأحداث وأشخاص قد تعودوا على العيش معهم، فكم من أم فقدت ولدها ولولا النسيان لما استطاعت العيش وتكملة الحياة، وهناك من فقد حبيبه ولم يجد من يعوضه هذا الحب وغيرهم الكثير.

فعندما تتكاثر علينا الهموم والأحزان وتسيطر على وجداننا، نشعر أن ما نمر به لا يخطر على البال ولم يمر به أحدًا غيرنا ، وبعد وقت من الزمان نرى أننا نسينا ما كنا نشعر به من أحزان وقد أصبح مجرد ذكرى، فلولا نعمة النسيان لبقينا فى بحر من الهموم نرتطم فى أمواجه ولم نستطع أبدًا الخروج منه.

فاطمة الحسيني

فاطمة الحسيني

صحفية ومحرره كتبت في العديد من الصحف والمجلات المختلفة،إلي أن أصبحت كاتبة محتوى في عدد من المواقع الالكترونية. تحب الكتابة باعتبارها المتنفس للتعبير عن كل ما نشعر به

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!