“سيمون دي بوفوار”

تنتابني الحيرة.. فيما سأبدأ الحديث عنها، أبتعريفات مثل الاسم كاملًا والسن والمنشأ وما إلى ذلك.. فأنا اعتقد أن تلك التعريفات لا تهم بقدر أهمية روح بوفوار، ولكنني سأتّبع بعض النمطية وسأبدأ بتعريف بسيط.

سيمون جورج برتراند دي بوفوار..

هكذا كان اسمها تلك الوجودية العظيمة ــ العصية على التجاهل ــ والتى كانت تؤمن باسبقية الوجود عن الماهية، تلك المرأة التي أدى بها عقلها الجنوني إلى الإلحاد في عمر الرابعة عشر بعد أن كانت كاثوليكيه متزمتة.. فلم تحمل ذاك العقل في جمجمتها هباءً، بل طاح عقلها بها إلى عوالم أخرى لم يتواجد بها سواها و”سارتر”.

جان بول سارتر…

ذلك الوجودي العظيم هو الآخر..

بدأ ميلاد معرفتهما ببعض في مدرسة الأساتذة العليا، وتعد هذه المؤسسة واحدة من أعرق المؤسسات الفرنسية التعليمية آنذاك. فنشأت العلاقة بينهما في أكتوبر 1929 حيث طلب سارتر الزواج منها، وأن يوقعا عقدًا بينهما لمده سنتين، ولكن أجابته بوفوار بأن “الزواج مستحيلا, فأنا لا املك مهرًا”.. ومع هذا ارتبطا بعلاقة لمدى الحياة، ودام حبهما لخمسون عامًا، ومن هنا رأيت بعض من عظمة “بوفوار” فلقد وطأت العواطف في سبيل حرية العقل.


إلا أن الأخطاء الفادحة غالبًا ما تنبع من العظماء – كما أخبرني صديقي العجوز مسبقا-، لذلك لم يصيبني ولو بعض الذهول عند معرفتي بإيمانها بالحرية الجنسية الكاملة وعدم الاستقطاب الجنسي، بمعني أن كلا منهما يحب الآخر ولكن له الحق في ممارسه الحب والجنس مع آخرين!!

شهد يناير 1908 ميلاد “بوفوار”، التي صارت فيما بعد أما للحركة النسوية في فرنسا، وذلك بفضل كتابها “الجنس الآخر”، وهو كتاب يحدد الوجودية النسوية التي نصت على ثورة أخلاقية آنذاك، كما أشارت إلى أهمية المرأة في مرحله مبكرة من حياتها، وذلك في كتابها “حين تأتي الأشياء الروحية أولاً”.

كما صبت “بوفوار” اهتمامها على الأوضاع النسوية، وأبرزت ذلك خلال كتابها الشهير “قوة الأشياء”، ويمكن اختصار مفهومها عن كيفية تشكيل وعي النساء عن طريق عبارتها الشهيرة: “لا نولد نساء بل نصبح نساء”، والتي كانت أيقونة كتابها “الجنس الثاني”، وفي رأيي أن تلك العبارة في منتهي الصحة.. فنحن ننشأ على كل الطباع التي تُكسبها المجتمعات لابنائها.. فتقوم المجتمعات بتوزيع الصفات والأدوار والمهن، ونحن نتلقى ذلك في صمٍت وإذعان.

وكما تنتفع المجتمعات من عقول عظمائها، إلا أنها أيضًا لن تنجو من سموم عقولهم، ففي سبعينيات القرن الماضي، كان لـ”بوفوار” دورًا هامًا في جعل جريمة الإجهاض أمرًا قانونيًا في فرنسا، حيث وجهت نشاطها في “حركة تحرير الفتيات الفرنسيات” إلى التوقيع على البيان (343) في عام 1971، والذي كان يدعو إلى جعل الإجهاض جزًء من حرية المرأة، وضمت قائمة الموقعين على البيان عددًا لا بأس به من النساء الشهيرات اللواتي زعمن خضوعهن للإجهاض آنذاك من أمثال: (كاثرين دينوف، وديلفين سيرغ، وشقيقة بوفوار بوبيت). وبالفعل تم الإقرار بقانونية الإجهاض في فرنسا عام 1974، ومن هنا نعتقد أن “بوفوار” كما ساعدت في دفاعها عن قضايا أخرى بالارتقاء بشأن النساء، إلا أنها أيضًا أجرمت في حق إنسان برئ كان له الحق في الوجود.


ونلاحظ أيضًا تناقض شخصية “بوفوار” الواضح، ففي الوقت الذي كانت تكتب فيه عن الثورة الأخلاقية، ودفاعها المستميت عن حقوق المرأة، قامت هي بإقامة علاقات جنسية مثلية مع طالباتها القصر بالرغم عنهم!!، وذلك عندما كانت معلمة في المدرسة الثانوية بمرسيليا، وأدى هذا التصرف المضطرب والشائن إلى وقفها عن ممارسة مهنة التدريس، لشكوى الطالبات من تحرشها الجنسي بهم!!

كما أن علاقتها القوية بسارتر لم تمنعها أيضًا من الوقوع في حب مؤلف رواية “صحراء النيون” الروائي الأمريكي “نيلسون اليغرين” عام 1952، وهي في الثانية والثلاثين من عمرها، وكان وقتها يصغرها بخمسه عشر عامًا.

وكشفت تلك العلاقة عن أن بوفوار صاحبة العقل التحرري الثوري لم تزيد عن كونها امرأة تمتلك مشاعر قروية ساذجة، فنراها تحدث عشيقها قائلة: “سأكون عاقله, سأغسل صحونك الوسخة, وسأكنس غرفتك، واذهب لاشتري لك البيض والكعكة المحلاة, ولن ألمس شعرك أو خدك أو كتفك إلا بعد أن تأمرني بذلك (…) ولن أقدم أبدًا على فعل ما لا ترغب فيه, وسأحبك حتى آخر رمق”!!

وتلك المشاعر السذاجة أبرزت جانبًا مختلفًا لـ”بوفوار” التي شاع عنها العقلانية لدرجة الجمود العاطفي، وتوجت بكتابها “الحب العابر للمحيطات “، الذي صبغت صفحاته بالشوق والحنين، وبالرغم من قوة علاقتها بـ”نيلسون”، والتي دامت لأكثر من سبعة عشر عامًا إلا أن “سارتر” ظل صمام أمانها وعائلتها الوحيدة، حيث صرحت في إحدى رسائلها لـ”نيلسون” عن “سارتر” قائلة: “إنني صديقته الحقيقية الوحيدة التي تفهمه وتمنحه السلام والتوازن، لا استطيع التخلي عنه بتاتًا. وقد اتخلى عنه لفترات طويلة أو قصيرة، ولكن لا استطيع أن أكرّس حياتي كاملة لرجل آخر!!”.

ثم تسبب ذكر “بوفوار” لتفاصيل علاقتها الحميمة بـ”نيلسون” في كتابها “قوة الأشياء”، في إنهاء علاقتها به وقطيعته لها، والتزامه الصمت والعزلة حتى توفى عام 1981.

وبرغم تعدد علاقات “سارتر” النسائية إلا أنه لم  يملّ يومًا من حبه لـ”بوفوار” وحتى وفاته، فقد رافقته كثيرًا خاصة في أيامه الأخيرة، ولذا لا نستغرب مشيئة الله في جعل يوم وفاته هو أيضًا نفس يوم وفاتها، ولكن بفارق ستة أعوام، حيث سبقها “سارتر” إلى الموت في يوم 14 نيسان سنة 1980، ثم لحقت به “بوفوار” في نفس اليوم ولكن سنة 1986، ودٌفنت برداء نومها الأحمر الشتوي، مع الخاتم التذكاري الذي أعطاه إياها “اليغرين”، وبجوار رفيق دربها “سارتر”.

آية رزق

آية رزق

بكالوريوس تجارة جامعة عين شمس مصرفي ببنك مصر مصممة جرافيك كاتبة حرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!