سيدة الحكي

” حين يراودني اليأس أقول لنفسي لا يصح ولا يجوز، إنني من حزب النمل، من حزب قشة الغريق، أتشبث بها ولا أفلتها أبدًا من يدي، من حزب الشاطرة تغزل برجل حمارة، لماذا لا أقول أننا أسرتنا، لا أعني أنا ومريد وتميم لوحدنا، بل كل العائلة الممتدة من الشغيلة، والثوار الحالمين الذين يناطحون زمانهم، من حزب العناد؟ نمقت الهزيمة، لا نقبل بها، فإن قضت علينا، نموت كالشجر واقفين ، ننجز أمرين كلاهما جميل: شرف المحاولة وخبرات ثمينة، تركة نخلفها بحرص إلى القادمين، فهناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، مادمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا” … “أثقل من رضوى”

حاولت أن اتجنب الكلام عنها… أو فلنقل حاولت أن أتوقف عن الكلام عنها …ولكني فشلت…
رضوى عاشور… الداما التي جعلت حياة كل امرأة هي ملخص لحكاية وطن… نجحت في جعل التاريخ والجغرافيا رواية لا تنفصل أحداثها عن أحداث أي إمرأة تعيش معنا…

قررت الكتابة عنها لأنها  تمثلني في الكثير من الآراء…يجوز… قررت التحدث عنها لحلول ذكرى ميلاد سيدة خلدت تاريخ حضارات بقلمها…يمكن… ويجوز لأني من حزبها، الحزب المتيم بأعمالها وجُملها التي خلقت وجدان من اعتاد القراءة لها… ويجوز أيضًا أني تمنيت أني ألتقيها وسبقني الموت إليها ، فلم أملك سوى قراءة أعمالها لأعرفها عن قرب… لست واثقة ولكني متأكدة أن من يقرأ للسيدة راء لابد أن يتوقف أمام الجُمل والمحتوى اللغوي الثري ليدرك أن اللغة دومًا حبلى بالكثير…

هي داما عاشت حياتها الشخصية تحت تأثير وضع الدولة، ليس فقط بالمعنى الاقتصادي، ولكن بالمعنى السياسي… تقول “يحكي الواحد منا عن أمر موجع لحجب الأمر الأكثر إيلامًا”…

 حرمتها الدولة من زوجها فنفته خارج البلاد، فلم تلتفت لذلك ونجحت في السفر له دومًا للحفاظ على أسرتها ولتكون بقرب حبيبها قدر المستطاع…  وحددت الدولة علاقة الأب بالابن، فقامت بتربية ابنها وحدها منذ سن الخمس شهور حتى صار رجلًا… قررت الدولة أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فخلقت هي معركتها بالقلم… قررت الدولة أن فلسطين قضية على هامش القضايا،فقررت هي أنها أول قضاياها… وقالت ” لكل شئ ثمن، وكلما عز المراد ارتفع الثمن“…
حُرم زوجها ككل الفلسطنين من حق العودة، فصارت هي وطنه… كانت ملهمته، وكان بطلها في كل الكتابات… في “أطياف” تجده حاضراً… في “أثقل من رضوى” و “الصرخة”… في “حكايات السيدة راء” هو موجود …

ببساطة هي السيدة التي نجحت أن تجعل قضيتها الشخصية مرتبطة بقضية عامة، قضية وطن…قضية الفلسطيني المغترب بوطنه واغتراب ابنه معه رغم طول إقامته بمصر…حدث ذلك عند تقديم طلبات التنسيق بالثانوية العامة عندما فوجئ تميم البرغوثي أن عليه أن يسلك سكة المغتربين… نجحت في تدوين تاريخها الشخصي طوال الوقت في رواياتها لتخبرنا أن حياتك جزء لا يتجزأ عن حياة الوطن…
أدركت قيمة المرأة، فجعلتها الشخصية المحورية دومًا…جعلتها عنصر الارتكاز، الملجأ والمستقر… أدركت أن الأم والزوجة والأبنة والحبيبة هن الوطن…وطن الرجل وسكنه وراحته… فجعلت كل تاريخ الأمم برواياتها شديد الارتباط بشخصية المرأة… وجعلت حبيبها أهم ما يدفعها للكتابة والاستمرار، فلم تتوان عن ذكر ذلك كلما وافق الورق والقلم…

لم تخجل من سرد تاريخها ولم تتوقف عن ربطه بالأحداث حولها لوعيها الدائم أن الوطن ما هو إلا أسر صغيرة متقاربة ومتنافرة….

رضوى كتبت تاريخها وتاريخ العرب ببساطة وبحنكة… ورغم كونها أستاذاً للأدب الانجليزي بكلية الآداب ،جامعة عين شمس، إلا أن العربية هي لغتها ومصدر وحيها وسندها لتخبر كل ما يجول في خاطرها، فأبدعت عن حق… تميزت لغتها بالسهولة والقوة، فلا هي صعبة تُنفرك ولا سهلة بلاقيمة…
“رقية” في “الطنطورية جعلتك ترى فلسطين والنكبة وغزو لبنان والحرب الأهلية والمخيم وأنت تشرب معها القهوة …جعلتك تعرف تاريخ عن طريق إمرأة بسيطة لم تكمل تعليمها…
“مريمة” وثلاثية غرناطة وجمال رواية تحمل تاريخ فقد الأندلس في ثلاث أجزاء لا يمكنك تجاهل بساطة وعمق السرد…
“خديجة وسوسن” حينما قالت:” ليست حرة تفعل ما تشاء! إنها ابنتي وعليها أن تطيعني بالشرع والعرف والقانون!” لتلخص علاقة مستمرة بين الأم والابنة والوطن والأسرة المصرية في ضفيرة من الحكايات والأحداث والمشاعر تجعلك ترى كل ما نمر به كنساء خلال حياتنا…

ومثلها “فرج” و”أثقل من رضوى” و”أطياف” وغيرهم…

” ما الخطأ في أن يتعلق الغريق بلوح خشب أو عود أو قشة؟ ما الجرم في أن يصنع لنفسه قندلًا مزججًا وملونًا لكي يتحمل عتمة ألوانه؟”

“فيتأكد لي في كل صباح أن في هذه الحياة رغم كل شئ، ما يستحق الحياة”….

هكذا دومًا كانت….

رضوى عاشور…. الداما التي أفنت قلمها للأدب والتاريخ فخلد ذكراها وفنها…

على روحها سلامًا طيبًا ووردة…

ريم عزت مهدي

ريم عزت مهدي

ريم عزت مهدي مدرس الأمراض الباطنة و الجهاز الهضمي و المناظير... كلية الطب – جامعة اسيوط الهوايات: الكتابة- قصص قصيرة الرسم- بالرصاص والاكريليك والباستيل القراءة بصفة مستمرة وقدر المستطاع

One thought on “سيدة الحكي

  • Hala
    2020-06-06 at 10:45 م
    Permalink

    مقالك رائع واستمتعت جداا جدااا به
    ولعل ياتى علينا لحظات كثيرة نتمنى ان لو نكون التقينا بعظمائنا وهم كثيرون
    ولكن من وجهه نظرى انى التقى بهم ع الورق وف الخيال ف كل مرة فهم مخلدون ف قلوبنا وعقولنا
    دام كل قلم يكتب يثرى النفس ويطيب له الروح
    دام كل قلم يكتب من القلب وللقلب مثلك انتى عزيزتى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!