المرأة وتاريخ الجريمة

بقلم: دعاء فتوح

من الملاحظ حول الدراسات التي تناولت جرائم المرأة بشكل عام، هو توصل أغلبها إلى انخفاض نسب جرائم المرأة مقابل الرجل، ليس في المجتمع المصري والشرقي فحسب بل في كل المجتمعات، لكن من الملاحظ أيضا، أن تلك النسب قابلة للارتفاع بمرور الوقت، فبرغم حصول الكثير من النساء على حقوقهن في التعليم والعمل، حتى أصبحت المرأة منافس قوي للرجل في شتى المجالات، بخلاف حالها في العصور السابقة، إلا أن تأثير هذا الخروج والتقدم على الانخراط المحير للمرأة في عالم الجريمة، يضعنا أمام علامات استفهام كبيرة، حول أسباب تلك الزيادة؟! وأنماط الجرائم التي قد ترتكبها المرأة؟! ودورها فيها؟!!! 

وعلى الرغم من صعوبة الحصول على إحصائيات دقيقة حول تاريخ الجريمة النسائية في مصر، إلا أن بيانات السجون المصرية عام ١٩٦٥م، أشارت إلى أن نسبة تورط المرأة المصرية في الجريمة أقل بكثير من الرجل، فمقابل كل (45) سجين توجد سجينة واحدة فقط!!!

كما أن الجرائم النسائية قد دخلت دائرة التغيير والتطوير في سبعينات وثمانينيات القرن الماضي، بالتزامن مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع المصري في ذلك الوقت.

وعلى الرغم من أهمية علم الإحصاء في رصد معدلات التغيرات التي تطرأ على  الشعوب، للوقوف على ايجابيات وسلبيات المجتمعات لتطويرها، وإيجاد حلول بشأن مشكلاتها، إلا أنه لوحظ وجود تضارب ومغالطات شديدة، فيما بين الإحصائيات التي رصدت معدلات الجريمة النسائية المصرية بالشكل الذي صعب معه تحديد موقعها بالنسبة للرجل من جهة، وبالنسبة للمجتمعات المحيطة من جهة أخرى، وربما يرجع السبب في ذلك، إلى حرص وزارة الداخلية على إخفاء النسب الحقيقية لمعدلات الجريمة بشكل عام!!! 

وفي هذا السياق أشارت إحصائيات القضاء  – غير المؤكدة – في قضايا الجنايات، خلال الفترة من عام (١٩٧٠ إلى ١٩٨٢)، إلى تورط المرأة في القضايا الجنائية بنسبة 2.53%  فقط من إجمالي نسبة الجرائم التي ارتكبها الرجل!!، وكانت تحتل جرائم القتل النصيب الأكبر بين هذه الجرائم، بنسبة 33.5%، تليها جرائم الضرب الذي يفضي إلى موت، بنسبة 17.4%، ثم الضرب الذي أحدث عاهة بنسبة 16%، وبعد ذلك تأتي جرائم (الخطف/ السرقة/ هتك العرض/ الحريق العمد/ الاختلاس/ الرشوة/ التزوير في أوراق رسمية/ تزوير أوراق مالية) بنسب ضعيفة لكل من تلك الجرائم، ومن تلك النتائج نستنتج ظهور نزعة عدوانية جديدة واضحة على طبيعة المرأة المصرية.

الجرائم النسائية في المجتمعات الغربية

وفي مقابل السياسة الداخلية المصرية – سياسة النعام – في إخفاء معدلات الجريمة بشكل عام وجريمة المرأة بشكل خاص، نجد أن الغرب انتبهوا لأهمية رصد معدلات الجريمة النسائية في وقت مبكر جداً من حدوثها، فاعدوا الكثير من الإحصائيات والدراسات الخاصة بهذا الشأن، ويأتي على رأسها دراسة البلجيكي (كيلتيه)، التي نشرت عام 1832م، والتي تعد أول دراسة إحصائية ذات طابع اجتماعي، حاول من خلالها أن يحدد معدل إجرام النساء،  فوجد أنه مقابل كل100 رجل ارتكب جرائم مال هناك 26 امرأة ارتكبن نفس الجرائم، و مقابل كل 100 رجل ارتكب جرائم اعتداء على الأشخاص، هناك 16 امرأة ارتكبن نفس الجرائم!!

وفي دراسة لاحقه، أجراها (جرانيه)، عام 1902 حول أنماط الجرائم التي تتفوق فيها أعداد النساء على الرجال، وجد أن جرائم الإجهاض وقتل المواليد والسرقة تزيد فيها نسبة النساء عن الرجال بدرجة أعلى من المتوسط بفارق كبير، فضلا عن ارتباط اسم المرأة بجرائم الدعارة، والابتزاز، مع انتشار جرائم السب والقذف والبلاغ الكاذب في دول العالم الثالث! 

كما أثبتت الدراسات أن أغلب النساء يرتكبن الجرائم في المرحلة العمرية ما بين (22إلى30) سنة، وفسر البعض ذلك بأن الحالة الجسمانية والذهنية والعاطفية التي تكون عليها المرأة تبلغ أشدها في تلك المرحلة العمرية، إلا أن البعض الآخر يؤكد ارتباط العمر بنوع الجريمة، فقد تبين من الإحصائيات أن النساء اللائي يرتكبن جرائم الدعارة يبدأ نشاطهن ما بين (12-15) سنة، أما جرائم السرقة فوجد أن 29.7% من مرتكبات جرائم السرقة تكون أعمارهن ما بين (20-30) سنة.
أما عن دور الحالة الاجتماعية في نسبة الجريمة، فعكست نتائج الإحصائيات أن المرأة المتزوجة أو التي سبق لها الزواج تميل إلى ارتكاب الجرائم بمعدل أعلى من غيرها، وذلك على عكس إجرام الرجل حيث يرتفع فيه نسبة إجرام الغير متزوجين عن المتزوجين.

وأثبتت الدراسات أيضا أنه لم يكن ارتفاع معدلات الجريمة لدي المرأة هو السمة الوحيدة التي ظهرت، بل صاحبها أيضا تورطها في أنماط من الجرائم كانت من قبل قاصرة على الرجال، مثل ما كان يسمي بجرائم (الياقات البيضاء)، كجرائم التزييف والاختلاس، فوفق الدراسة التي أجرتها وزارة الداخلية الانجليزية عام 1977م، وجد ارتفاع معدلات النساء المحكوم عليهن في الجرائم الخطيرة من 55% إلي 201.5%. *(1)

 الخلاصة

مع اختلاف الدراسات والأبحاث، وتنوعها بين المحلى والعالمي، نجد أن التقدم التكنولوجي، ومحاولة المرأة للخروج من حيز الأبواب التي أغلقت عليها لسنوات طويلة، مع استغلال البعض لها، انعكس على تفكك عام في بنية المجتمع المتمثلة في الأسرة، ففي بعض المجتمعات وفي ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، تترك المرأة العاملة أطفالها للمربيات والخادمات للقيام بمهامها الأساسية في التربية والتعليم، لتسعى بحثا عن حقها في الاستقلال واثبات ذات لم تكن موجودة من قبل، وعلى الرغم من حقها المشروع في ذلك، بسبب نظرة المجتمع الدونية لدور المرأة كزوجة وأم، عبر أجيال متعاقبة نظرت بفكر ذكوري إلى أن تربية الأطفال ومهام تنظيف المنزل عمل دوني قاصر على النساء والخادمات، وبالتالي سعت المرأة إلى إثبات تميزها في كافة المجالات العملية والعلمية الأخرى، بعيدا عن دور الزوجة والأم.

إلا أن عدم نجاح الكثير من النساء في تحقيق التوازن المطلوب بين الحياة العملية والأسرية من جهة، وارتباط أغلب الأزواج بمفهوم الزوج السيد الآمر الناهي الذي يطاع، أدى إلى تقليص دور الأم والأب معا، ومن ثم خلق جيل جديد هش، لا يقوى على مواجهة المجتمع، وهو بدوره ما أدى إلى ارتفاع معدلات الجريمة ليس فقط للرجل والمرأة وإنما أيضاً للأطفال!

______________________________________________

*(1) مصدر المعلومات والإحصائيات كتاب (جريمة المرأة في المجتمع)، دراسة اجتماعية على نزيلات سجن القناطر للنساء، دكتور ناجي محمد هلال، أستاذ علم الاجتماع الجنائي، عميد كلية الآداب جامعة بور سعيد.

داما

داما

التاء المربوطة في أبجدية بكرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!