الطلاق النفسي

بقلم: هدى قنديل

يحتلنا البرد أحيانًا فنفقد الاتزان ونرتد في هلع داخلي عن كثير مما اعتقدناه أبديًا, ولكننا أسرى المخططات المسبقة والالتزامات المجتمعية.

هكذا تمضى رحلة الزواج حين تستبدل المودة بالجفاء, ويتحول السكن إلى منفى واغتراب, يشعر الزوجان بمراحل الإنطفاء العاطفي تدريجيًا، وبعد محاولات عديدة لإحياء ما تبقى من حب بينهما يصل الطرفان إلى حالة من الاستسلام واليأس.. والصمت, فتجد المشكلات فقدت صوتها وصراخها وتبقى أثرها, مثلما يحدث في صراع مع مرض خبيث، يعلو الأنين وتعلو معه مقاومة المرض ثم يمسي الموت_الحدث المسيطر_ على الجميع، ويطبق صمته على عويل الجنازة، ولكن في حالة الزواج لا يدفن الميت دائمًا فقد يبقى متظاهرًا بالحياة, فانفصال كل منهما عن الآخر نفسيًا لا يؤدي بالضرورة إلى انفصالهما اجتماعيًا, فيحدث ما يسمى بالطلاق العاطفي أو الصامت.

ولا أقصد بذلك فترة الركود العاطفي, فشتان بين الحالتين, فالركود العاطفي يمكن أن يصيب أى علاقة لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى الانفصال النفسي والمعنوي عن الشريك.

في الطلاق النفسي يدخل الزوجان في دوامة من الكبت والمشاعر السلبية، التي لابد أن يتصرفا عكسها ويؤديا دورهما الاجتماعي كزوجين بإتقان، خوفًا وتحسبًا من تبعات الطلاق، واعتبارات لمصلحة الأبناء تؤدي إلى حرب بارده، قد تعرب عن عنفها بصراع واصطدامات ظاهرة من وقت لآخر.

   والطلاق العاطفي أكثر قسوة وأشد إيذاءًا للأبناء من الطلاق الفعلى فيصبح الشيء المشترك بين الأب والأم هو القطيعة والتنافر والرفض.

من أسوأ ما قد يحدث في الطلاق النفسي أن يعيشه طرف واحد، وغالبًا ما تكون المرأة, فتنأى بنفسها بعيدًا عن زوجها وتنسحب نفسيًا من العلاقة ليصبح مجرد وجوده في مكان تواجدها مدعاة للكآبه، فالمرأة في هذه الحالة تسحب أهلية الزوج من كيانه كرجل في حياتها.

عند تلك النقطة في العلاقة بين الزوجين يتساءل كل منهما عن الخطأ الذي سار بهما نحو تلك النهاية المأساوية.

يجب أن ندرك أن هناك ثلاث ركائز تقوم عليها الحياة الزوجية في الأساس:

الألفة: وهي مشاعر القرب والتفاهم والتوافق، والقدرة على التواصل والانسجام بالأحاديث والهوايات والمزاح وقضاء الأوقات الطويلة سويًا من دون ملل أو عراك أو إحساس بالاختناق، والألفة في أحد أوجهها أشبه ما تكون بالصداقة.

الشغف: وهو الرومانسية والرغبة الجسدية والنفسية نحو الآخر.

 الالتزام: ويمثل على المدى القصير القرار الذى يتخذه الإنسان بأن يبقى مع شخص آخر، وعلى المدى الطويل يمثل الإنجازات المشتركة التي تحققت مع الشخص الأخر، وجوهر الالتزام هو المشاركة، وشعور الشخص بأنه ليس وحيدًا في الدنيا وأن هناك من يسانده.

فإذا هدمت تلك الركائز فلا وجود لحياة زوجية بين الزوجين, ويحدث تبادل لإطلاق الاتهامات واللوم بين الطرفين, فيتهم الرجل المرأة بالبرود الجنسي وتتهمه هي بالبرود العاطفي، وينعدم الكلام أو الحوار بينهما فيصير افتعالًا  للمشاكل على مدار اليوم ثم ينتهي في المرحلة الأخيرة تمامًا فلا يحدث أي حوار بينهما إلا للضرورة، وقد يلجأ أحدهما أو كلاهما للخيانة .

عدم النضج  النفسي والعاطفي للزوجين أو أحدهما من أهم أسباب الطلاق العاطفي، فعدم النضج يفتح أبواب الجحيم في العلاقة.

وانحسار عالم المرأة على الزوج والمنزل يضعف الزواج على عكس المعتقد، فالعمل بطبيعة الحال يعزز الثقة بالنفس ويخلق توازن نفسي جدير بأن يقوي العلاقة بين الزوجين.

ومن أهم الأشياء التي تجنبنا الطلاق العاطفي.. الكلام.. الانفتاح الحقيقي مع الشريك، والتحدث بصراحة، مع تعلم الاستماع والاحتواء والتقدير, فقوام الزواج هو الشراكة الحقيقية بين الرجل والمرأة مدعومة بمودة ورحمة.

 و أخيرًا أثناء الزواج يجب أن نستحضر دائمًا عدة مفاهيم فمشاعر الحب  تختلف عن الزواج، فالزواج قائم في الأساس على سلوك الحب، السلوك الذي تعبر به عن ذلك الحب، ففي فترات الركود العاطفي عندما يتخذ الزوجان سلوك الحب بينهما وإن انطفأت شمعة الحب قليلا فإن هذه الفترات تمر بسلام, فالسلوك يزيل الوجود المادي للمشكلة ويعزز مشاعر الحب داخلنا.

Spread the love
داما

داما

التاء المربوطة في أبجدية بكرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!