الجرائم الإنسانية

بقلم: دعاء فتوح

الجرائم الإنسانية متشعبة وكثيرة، وتتشابك مع كل سلوك إنساني يقوم به البشر، والبعض منها قد يستطيع القانون ردعه ومحاسبة فاعله، ولكن الكثير منها لا تستطيع قوانيننا البشرية الوضعية ردعه أو حتى تقنينه.

فالأمهات اللائي شاركنا في جرائم مباشرة ضد المجتمع كـ(السرقة/ النصب/ الدعارة/ القتل…الخ)، قد يحاسبها القانون على جريمتها المادية الواضحة، ولكن من سيحاسبها على مستقبل أولادها الذي لحق به جرمها حتى قبورهم، فمجتمعاتنا العربية لا ترحم، وكل منا نصب من نفسه إلها للحكم على ذوات غيره، فكم عدد الأمهات اللائي يمتلكون ثروة وجاه، أو حتى نصيب وافر من السمعة الطيبة، يقبلن بزواج (أبنائهن/ بناتهن)، من (فتاة/ فتى) على خلق عال ومركز علمي مرموق، ولكن بخلفية أسرية لوثت بفعل جريمة ما؟!، من منا يحتكم لعدل ربنا سبحانه وتعالى، ويعي أنه “لا تزر وازرة وزر أخرى”؟!


كم أم شوهت نفوس أبنائها بأنانيتها وانصرافها عنهم لتحقيق ذاتها في عمل ما أو مع حبيب آخر غير الأب، أو فرضت سطوتها على أفكارهم وأحلامهم وقامت بإزائهم ضربا وإهانة بحجة التربية، أو ختّنت وزوّجت بناتها القصّر، باعتقاد خاطئ بأنها تعفهن وتسترهن، دون دراية منها بكم التشوهات النفسية التي تشربت بها نفوسهن. فمن منا لا يعرف “الشبشب” كأسلوب مصري خالص لتربية كثير من الأبناء، فما بالك بزوجات الأب اللائي يعتقد اغلبهن بأنهن في تنافس مع أبناء الزوج على قلوب أزواجهن، دون فهم لحاجة هؤلاء الأطفال للاهتمام والرعاية، ولكن كيف نعيب على زوجة أب غير حانية في حين أن هناك أم تركت أولادها برغبتها حبا لنفسها وتقديما لمصلحتها على مصلحة أولادها؟!

كما أن قرار أية امرأة الامتناع عن الزواج، أو رفضها للإنجاب حفاظا على رشاقتها وحريتها، أو اختيار بعض الفتيات لحياة جنسية مثلية، يعد جريمة إنسانية، يمتد أثرها على مستقبل البشرية ككل، فالحفاظ على النوع الإنساني مسئولية فردية ومجتمعية، والمتابع لأحول بعض المدن في دول العالم الأول يكتشف أن هناك مدن بأكملها قد انقرض سكانها بسبب تلك المفاهيم الخاطئة عن الحريات، في دولة متقدمة كاليابان!!


وكل ما سبق من نماذج لجرائم قد يوضع في كفة، وظاهرة انتشار اللقطاء، وأطفال الشوارع والمتسولات اللائي يتاجرن بمستقبل “ورد الجناين” في كفة أخرى، فنري متسولات قد نفذت من قلوبهن الشفقة والرحمة، يجلسن فوق الكباري وفي عز الظهيرة يتسوّلن بأطفال أكلت من جلودهن الشمس، وصُبغت أروحهم الصغيرة بقسوتنا نحن المارة، المتأففين من منظرهم المكسو بقذارة ظاهرية يختبئ تحتها قلوب بيضاء لم ترتكب جرما واحدا سوي أن هناك أم نزعت من قلبها الرحمة، وألقت بها في معترك حياة قاسية، ثم نأتي نحن بملابس مهندمة نخبئ تحتها قلوب خربة تلقي بنظرة تعاٍل وإحساٍن زائف ببعض القروش، وتمر غير عابئة بقنابل موقوتة صنعت من تجاهل، وجهل بأن هناك نهاية مأسوية محتومة.


لا ننكر أن كل الجرائم التي ترتكب تكون في نهاية الأمر حصيلة مجتمعية يشترك فيها الرجل والمرأة على حد السواء، ولكننا هنا نخص المرأة بحديثنا، ولا نحملها المسئولية الكاملة، ولكننا ندق جرس إنذار ونشير لبعض المشكلات الرئيسية التي قد يؤدي تفاقمها وانتشارها إلى تصدع بنيان المجتمع ككل، ومن المؤكد أن أغلب أبائنا وأمهاتنا قد بذلوا كل غاٍل ونفيس في سبيل سعادتنا ورقي مجتمعنا.

Spread the love
داما

داما

التاء المربوطة في أبجدية بكرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!