أسامحك إزاي بعد ما نجست لي الكباريه

الفيلم نفسه عظيم … والجملة ملخص للفيلم ولحياتنا… كل شخص يرى بحكمه أنه يمتلك الاعذار لكل تصرفاته، وينكر على غيره أي تصرفات… جميعنا نملك راية الحرام والحلال والخطأ قبل الصواب، وننكر على غيرنا فعل نفس الشئ…

شخصيات الفيلم ما بين من تبر أمها قدر المستطاع، ومن لا يترك فرض الصلاة …شخصيات تعمل بالملهى الليلي وليس بمدرسة أو دور عبادة…يبرران لنفسهما وجودهما في المكان ولا يبحثان عن بديل… وبين شخصية من يرى الشيطان يسكن المكان بسبب كل ما به من موبقات ويسعى لتفجيره لنيل الشهادة…ثم يرى أحمد بدير يصلي ويتعجب لرؤيته ويسعى لهدايته … المالك الذي يسعى لزيارة بيت الله وهو يدير صالة رقص،يستمع للابتهالات وهو يراقب الصالة والرقص، ويستحل مال أخيه ويمعن في إذلاله طوال الوقت… وبين الأخ المغلوب على أمره والساخط على أخيه ، الرافض لكل وضعه ولكنه عاجز عن الرحيل… كأحدب نوتردام…

أراهم الشخصيات المؤثرة في سير الأحداث… أن ترى حلالك هو الحلال ولا ترى ما تفعله من حرام، أو فلنقل تتصالح مع نفسك لدرجة التصالح مع الحرام وتبرره لتستطيع أن تكمل حياتك…

الفيلم يطرح أكثر من فكرة… فكرة واضحة وهي قدرتنا على مسامحة أنفسنا مهما فعلنا واتخاذنا أسباب تلك المسامحة… وفكرة خفية هي فكرة تقسيم البشر إلى ملائكة وشياطين فقط… التقسيم الطفولي … الأبيض والأسود … الخالي من اعتراف : “البشر خطاؤون”… تقسيم من يتعالى على غيره ليثبت أنه يملك ناصية الجنة والغفران… نراهم طوال الوقت… وإن كان الحلال بين والحرام بين… نتعالى على بعضنا لنثبت أن الحق لنا دون غيرنا…

يقول علي الوردي: “إن مشكلة النزاع البشري هي مشكلة المعايير والمناظير قبل أن تكون مشكلة الحق والباطل، وما كان الناس يحسبون أنه نزاع بينحق وباطل، هو في الواقع نزاع بين حق وحق آخر، فكل متنازع في الغالب يعتقد أنه الحق وخصمه المبطل، ولو نظرت إلى الأمور من نفس الزاوية التي ينظر منها أي متنازع لوجدت شيئًا من الحق معه قليلا أو كثيرًا “… خوارق اللاشعور

نقابل من يجعلونا نشعر أنهم أكثر منا إيمانًا وأقرب منا إلى الله…في كل الأديان…نقابل من يجعل الوعظ أسلوبًا لحياته ليجعلك في مرتبة أدنى… يقلل من تصرفك ويصر على تكدير صفوك تحت راية أن الجنة طريقها كذا وكذا…

يقول الوردي أيضًا: “إن الوعظ يجعل الناس شديدين في نقد غيرهم، فالمقاييس الأخلاقية التي يسمعونها من أفواه الوعاظ عالية جدًا. وهم لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم، فيلجأون إلى تطبيقها على غيرهم ، وبذا يكون نقدهم شديدًا”… وعاظ السلاطين

من أراد تفجير المكان لم يكن يرى غير الملهى الليلي والحرام البين، لم يقابل الشخصيات وقصصهم وحياتهم… كان مقتنعًا أن إنهاء وجود هذا المكان هو طريقه لإنهاء وجود إبليس من الأرض… وإن كان إبليس ليس بحاجة لتواجد في هذا المكان من الأساس… النفس الأمارة بالسوء كافية… عندما حاول هداية أحدهم ونجح، حاول منع التفجير، حاول تغيير سير الأحداث، أدرك أن الحوار قد ينجح وحاول اقناع زميله الذي رفض وأنكر…يبدو أنه أنكر لأنه خاف من تغيير قناعاته، أو عجز عقله عن قبول ما لا يصدق به…

يقول توفيق الحكيم:“إن عجز العقل عن تعليل ما لا يتمشى مع منطقه كفيل بأن يحدث فينا هزة الخوف.”

ليس فقط هزة الخوف، ولكن رفض التغيير، الجمود والحرب في بعض الأحيان لنثبت أننا على حق… قليلون هم من يستطيعون مراجعة ما يعتقدون ، وأقل منهم من يستطيع تفهم رأي غيره…

لا أدعو إلى تغيير الأحكام… فما زال الحرام بين والحلال بين… ولكننا قد نحتاج إلى مراجعة أحكامنا نحن كل فترة…ليس لتغيير الثوابت بل لفهم تفكير الآخر…

ريم عزت مهدي

ريم عزت مهدي

ريم عزت مهدي مدرس الأمراض الباطنة و الجهاز الهضمي و المناظير... كلية الطب – جامعة اسيوط الهوايات: الكتابة- قصص قصيرة الرسم- بالرصاص والاكريليك والباستيل القراءة بصفة مستمرة وقدر المستطاع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!