أحلام فى عرض البحر

دائمًا ما كنت أرى أن ركوب مركَب صغير فى عرض البحر ووسط أمواجه، والسفر من دولة لدولة ما هو الا انتحارًا جاء بعد يأس وفقدان أمل غير محتمل، فمن يتخيل أن شخصًا فى ريعان شبابه قام بكامل قواه العقلية بالتضحية بكل أحبابه وأهلة وأصحابه ورمى كل هذا أسفل قدميه، من أجل تحقيق أحلام وجد أن تحقيقها فى بلده أمر محال أن يتم.

وبالرغم من حبى الشديد للبحر ورؤيته، إلا أنني عندما قمت برحله قصيرة استغرقت مدة ساعة فى البحر، بواسطة قارب صغير، ووقتها كان الجو ملبد بالسحب وكانت الأمواج شديدة الارتفاع للدرجة التى جعلت المركبة تتأرجح وكأنها على حزام زلزال لتأخذنا من موجة لموجة وَسَط عرض البحر، وفى هذه اللحظة تجمد كل فكرى ليذكرني بمشهد شاب فى قارب صغير يهاجر من بلد لبلد آخر لا يعرف عنه شيئًا، حتى أنه لا يعرف هل سيصل لها، أم ستسقط كل أحلامه فى عرض البحر، وتكون وجبة دسمة لأسماك وحيتان البحر الأبيض المتوسط القادرة على إحصاء ضحايا قارب الأحلام بلا منازع.

ليبدأ الشاب الذى لم يتعد عمره  العشرين فى تزوير أوراقه، وتجميع مبلغ من المال بواسطة أهله عن طريق بيع أرضهم، أو اقتراض مبلغًا من جيرانهم، فجميع أحلامه تنبأه بأنه سيعوض كل هذا، فالسمسار الذى تلاعب بمشاعره وعقله أقنعه بالفكرة وأوهمه أنه  فى حالة الوصول إلى الشاطىء الآخر ستتساقط عليه الأموال، وتبدأ الرحلة فى منتصف الليل بالانتقال من مدينة لأخرى متخفيًا داخل عربة، أشبه بتهريب المخدرات والبضائع المحرمة حتى الوصول إلى الشاطىء، ليفاجأ الشاب بالمركب القديم المتهالك ذا الطابق الواحد الذى ينتظره، ووجود أكثر من 500 مهاجر بداخله، ليشعر وقتها فقط أن طريقه سيكون محاطًا بالمخاطر، وأن احتمال الموت غرقًا هو النتيجة المنطقية لكل هذا العدد.

ويركب القارب مع الآخرين ليصطفوا على جانبية بشكل مكتظ وكأنهم فوق بعضهم، ويتحرك المركب وَسَط هدوء البحر وبرودة الطقس وظلام الليل الحالك ويخيم الصمت على الجميع من هول المشهد وعدم القدرة على التراجع عن الأمر برمته، فلا يوجد أي إنارة حتى لا ينفضح أمرهم لدى خفر السواحل ويتم القبض عليهم، ومن وقت لأخر يتحول الطقس دون سابق إنذار لتشتد الرياح وتعلو الأمواج ولا تستطع المركب الصغيرة المتهالكة مواجهة تلك الصعاب، ومعظم من على القارب يموت رعبًا وجوعًا وبردًا، قبل أن يموت غرقًا، فالمياه تسيل على رؤوسهم والقارب يهتز من كل جهة.

ويبقى الحال هكذا لأكثر من عشر ساعات وَسَط الظلام الحالك  فى عرض البحر، الى أن تنتهى الرحلة إما بوصولهم الى الشاطىء الآخر فاقدين جزءً ممن ماتوا خلال الرحلة بردًا أو جوعًا، أو أن تنتهى الرحلة بسقوط الأحلام غرقًا فى عرض البحر، أو يتم القبض على من ينجو من قبل شرطة السواحل، لنجد أن الظروف الاجتماعية والفقر وعدم ثقة الشباب فى أنفسهم كان سببًا فى هجرة أحلامه لكن فى عرض البحر.

فاطمة الحسيني

فاطمة الحسيني

صحفية ومحرره كتبت في العديد من الصحف والمجلات المختلفة،إلي أن أصبحت كاتبة محتوى في عدد من المواقع الالكترونية. تحب الكتابة باعتبارها المتنفس للتعبير عن كل ما نشعر به

2 thoughts on “أحلام فى عرض البحر

  • Hala shabayek
    2021-01-30 at 11:59 م
    Permalink

    لان المشكله بتكمن ف المدخلات للشخص بمعنى لو مدخلاته مصوره ليه ان السفر هو الحل وان فيه الخلاص والحل السحرى وهكذا
    لكن لو فيه برمجة صح بتشتغل صح هتلاقى الناس مش بتوصل او هتوصل لمرحلة الياس الجزئى من وجهه نظرى للجوء للاساليب دى

  • فاطمة الحسينى
    2021-02-01 at 1:38 م
    Permalink

    وجهة نظرك سليمة فعلا أستاذة
    Hala shabayek

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!